البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 362)مصدر غير محدد١٨/٣٦٢ عن قتادة ومجاهد: "يقسم الله جل ثناؤه: وليختبرن الله هؤلاء الناس بالشدة والرخاء والمحن والفتن، حتى يظهر الصادق في إيمانه الثابت عليه عند البلاء، من المنافق المتلون الذي يهرب عند الشدة ويطمع عند الرخاء، فيعلم ذلك علماً ظاهراً تقوم به الحجة على العباد".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 266)مصدر غير محدد٦/٢٦٦: "أي ليختبرن الناس بالضراء والسراء ليتميز هذا من هذا، فيُعرف من يطيع الله في السراء والضراء، ممن لا يطيعه إلا في الرخاء، كقوله تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 333)مصدر غير محدد١٣/٣٣٣ أن ذكر النفاق هنا يدل على أن بذور النفاق كانت موجودة في بعض النفوس بمكة قبل الهجرة، أو هو إخبار غيبي بما سيقع في المدينة المنورة بعد الهجرة من ظهور طائفة المنافقين ورئيسهم ابن أبي سلول.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
الْمُنَافِقِينَ: المنافق مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو الجحر الذي يخفي فيه مخرجاً آخر إذا هوجم من باب خرج من الآخر؛ والمنافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر أو الريب.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ: الواو عاطفة، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "يعلمنّ" مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ولفظ الجلالة فاعل.
الَّذِينَ آمَنُوا: اسم موصول مفعول به، وجملة "آمنوا" صلة.
وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ: معطوفة عليها وإعرابها نظيرها، و"المنافقين" مفعول به منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تأكيد ختامي للآية السابقة؛ فبعد أن وصف حال المتلونين كشف هنا الحكمة والغاية الإلهية الكبرى من وقوع هذه التمايزات؛ فالأقدار مسوقة لفرز الإيمان الحقيقي عن النفاق الزائف فرزاً مكشوفاً للخلائق.
التناسب التركيبي الداخلي:
تكرار الفعل مع نون التوكيد مرتين: {وَلَيَعْلَمَنَّ... وَلَيَعْلَمَنَّ} للمقابلة الحاسمة بين المعسكرين: معسكر المؤمنين الثابتين، ومعسكر المنافقين المتساقطين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة وجود النفاق في مكة:
قد يسأل سائل: المشهور تاريخياً أن النفاق لم يظهر إلا في المدينة بعد غزوة بدر وظهور شوكة الإسلام، فكيف نزلت هذه الآية المكية بذكر {الْمُنَافِقِينَ}؟
التحقيق عند أئمة التفسير كابن عاشور والقرطبي:
النفاق في مكة كان له وجود بصورة أخرى؛ وهو نفاق الخوف والتذبذب: أناس أسلموا ولكنهم لم يستقر الإيمان في قلوبهم فداهنوا المشركين وخافوا من عذابهم وتخلوا عن الدين عند الامتحان.
هذا إخبار غيبي وإعداد تربوي للمسلمين بمكة بما سيواجهونه مستقبلاً في المدينة من ظهور النفاق العقائدي المكتمل؛ فالقرآن يربي الأمة على مواجهة كافة أصناف الانحراف.
الطباق الإيجابي الحاسم: بين {الَّذِينَ آمَنُوا} و{الْمُنَافِقِينَ}؛ لإسقاط أي منطقة رمادية في ميزان الله؛ فالقلب إما خالص لله وإما مدخول بالنفاق والرياء.
التأكيد بالقسم ونون التوكيد: لبيان أن سنة التمييز والفرز لا محيد عنها ولا مهرب منها.
الظلال التدبرية والإشارية:
الفتن كاشفة وفاضحة وليست منشئة للمرض؛ فالشدة لا تخلق النفاق، بل تخرج ما كان كامناً ومخبأً في زوايا الصدور، فمن كان معدنه ذهباً ازداد بريقاً، ومن كان خبيثاً انكشف زيفه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
بناء الصف المسلم على الوضوح والشفافية والتجرد، ومقاومة سياسة التجميع الكمي الأجوف التي تعتمد على كثرة الأتباع دون نقاء العقيدة وصلابة المبدأ.
الآثار التربوية والوجدانية:
الوجل الشديد من النفاق الأصغر والأكبر، والحرص على مطابقة السريرة للعلانية.
الشكر لله عند الثبات على الإيمان في مواطن الزلازل.