البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 419)مصدر غير محدد١٨/٤١٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مذكراً بالبرهان القاطع على صدق نبوته: وما كنت يا محمد تقرأ قبل نزول هذا القرآن كتاباً من كتب الأولين، ولا كنت تكتب وتخط بيمينك سطراً واحداً؛ بل نشأت في قومك أربعين سنة أمياً لا تقرأ ولا تكتب وهم يعلمون ذلك يقيناً؛ {إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}: أي لو كنت قارئاً أو كاتباً قبل البعثة لشك المبطلون من كفار قريش وأهل الكتاب، ولقالوا: إنما نسخته من كتب الأولين أو تعلمته من أحبارهم، ولكن الله بعثك أمياً لتظهر المعجزة الباهرة ويزول كل ريب وشك".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 283): "هذا من أعظم دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن؛ فقد لبث فيهم عمراً لا يعرف خطاً ولا قراءة، ثم جاءهم بهذا الكتاب العظيم المعجز الذي أعجز البلغاء وفاق الأولين والآخرين بعلومه وأحكامه؛ فثبت أنه تنزيل رب العالمين".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 351)مصدر غير محدد١٣/٣٥١ أن أمية النبي صلى الله عليه وسلم معجزة في حقه وشرف وكمال؛ لأنها حفظت الوحي من تهمة الاقتباس البشري.
*تفسيره* (ج 6، ص 283)مصدر غير محدد٦/٢٨٣
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
تَتْلُو: تقرأ وتتابع الكلمات المكتوبة.
تَخُطُّهُ: الخط هو الكتابة باليد ورسم الحروف بالقلم.
بِيَمِينِكَ: اليد اليمنى، وذكرها لتأكيد المباشرة ونفي الاستعانة بالغير أو التوكيل.
لَّارْتَابَ: الارتياب هو الشك العارض مع قلق واضطراب في النفس.
الْمُبْطِلُونَ: أصحاب الباطل الذين يروجون الشبهات ويسعون لإبطال الحق.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَمَا كُنتَ: الواو عاطفة أو حالية، "ما" نافية، كان واسمها.
تَتْلُو: مضارع وفاعله مستتر، والجملة خبر كنت.
مِن قَبْلِهِ: متعلقان بتتلو، والهاء تعود على القرآن أو الإنزال.
لَّارْتَابَ: اللام واقعة في جواب شرط مقدر تفيده "إذاً" (أي لو كنت تقرأ وتكتب لارتاب)، "ارتاب" ماضٍ.
الْمُبْطِلُونَ: فاعل ارتاب مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
حجة عقلية وتاريخية دامغة؛ فبعد أن أثبت إنزال الكتاب، دفع هنا أعتى وأشهر شبهة حاول المشركون والمبطلون إلصاقها بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي دعوى النقل والاقتباس من كتب السابقين، فنقضها القرآن بتقرير واقع تاريخي مشهود عاشه النبي بينهم 40 عاماً وهو أميته المطلقة عن القراءة والكتابة.
التناسب التركيبي الداخلي:
استغراق نفي القراءة بـ "من" الزائدة {مِن كِتَابٍ} لنفي تلاوة أي جزء أو سطر من كتاب سابق، ونفي الكتابة مع تأكيد الجار {بِيَمِينِكَ} لقطع كل باب للاتهام، ثم بيان علة هذا التقدير الإلهي: سد منافذ الشك والشبهة على المبطلين {إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أمية النبي صلى الله عليه وسلم كأعظم براهين الإعجاز:
ردت الآية بالدليل التاريخي القاطع على شبهات المستشرقين والملاحدة القدامى والمحدثين؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم نشأ في بيئة صحراوية أمية، وعاش أربعة عقود بينهم يعرفون مدخله ومخرجه لم يمسك قلماً ولم يفتح كتاباً، ثم فجأة يتدفق على لسانه كتاب يحتوي على أدق تفاصيل تاريخ الأنبياء والأمم السابقة، وشرائع محكمة في الاقتصاد والقضاء والأسرة، وأسرار كونية معجزة؛ فمن أين لأميّ بهذا العلم الغزير المحيط لولا أنه وحي معصوم من لدن عليم خبير؟
التأكيد بـ {بِيَمِينِكَ}: مع أن الخط لا يكون إلا باليد غالباً، لكنه ذكر اليمين لتقرير وتوكيد نفي المباشرة حساً، كقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم}.
تسميتهم بـ {الْمُبْطِلُونَ}: فيه إشعار بأن شكهم ليس ناشئاً عن طلب حقيقي للحق بل هم قوم ديدنهم التمسك بالباطل وإبطال الحقائق.
الظلال التدبرية والإشارية:
حكمة الله في اختيار وسائله؛ جعل رسوله أمياً ليكون إعجاز القرآن أسطع وأبين؛ فالعجز البشري الظاهر في القراءة والكتابة قابله كمال الوحي الرباني ليعلم الجميع أن القرآن تنزيل إلهي محض لا شائبة فيه لفكر بشري.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تسلح الدعاة بالبراهين التاريخية والواقعية لدفع الشبهات حول مصادر الوحي والقرآن الكريم.
الآثار التربوية والوجدانية:
المحبة العظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم معجزته الكبرى.
اليقين القاطع بعصمة القرآن وسلامته من أي تدخل بشري.