البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 381)مصدر غير محدد١٨/٣٨١ عن ابن عباس وقتادة والضحاك: لما بهرهم إبراهيم عليه السلام بالحجج العقلية والبراهين الساطعة، وأفحمهم في عبادة الأوثان ونفى عنها الرزق والنفع، سقط في أيديهم وعجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة، ففزعوا إلى القوة الغاشمة والبطش الوحشي: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ}؛ فأجمعوا رأيهم على التحريق؛ فبنوا بنياناً وجمعوا الحطب من كل مكان وأضرموا ناراً هائلة تقذف بشرر كالقصر، ووضعوا إبراهيم في المنجنيق وقذفوه فيها، فقال: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"، فأنزل الله أمره القدري: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}؛ {فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 271)مصدر غير محدد٦/٢٧١ أن هذه الآية من أعظم براهين المعية والنصرة الإلهية للمتوكلين؛ حيث تحولت النار المحرقة بطبيعتها إلى برد وسلام بكلمة "كن" الإلهية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الصدمة والمحك العملي الحارق في تجربة إبراهيم عليه السلام؛ فبعد الحوار الفكري الراقي في الآيات السابقة، واجه خليل الرحمن أخطر وأبشع فتنة جسدية: الإلقاء في أتون النار المستعرة، ليتجلى التدخل الإلهي المعجز بإنقاذه وإبطال ناموس الإحراق، مما يسكب الثبات واليقين في قلوب المسلمين المعذبين بمكة.
التناسب التركيبي الداخلي:
الحصر بـ {مَا... إِلَّا} لإظهار الإفلاس العقلي التام للخصوم؛ فلم يكن عندهم أي رد فكري بل انتقلوا فوراً إلى خيار الإبادة والتحريق، ثم التعقيب المباشر بالفاء {فَأَنجَاهُ اللَّهُ} لبيان سرعة النصرة الإلهية، وختامها بجمع الآيات {لَآيَاتٍ} لأن في النجاة دلائل متعددة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط منطق القوة أمام قوة المنطق:
تبرز الآية حقيقة مطردة في صراع الحق والباطل: الباطل حين يفلس فكرياً يلجأ دائماً إلى "لغة الإرهاب والبطش والقتل"، لأن الحجة تدحضه وتسحقه. ولكن الآية تقرر أن القوة المادية العاتية لا تملك النصر الحقيقي؛ فالأسباب خاضعة لمسبب الأسباب، والنار التي تحرق بأمر الله تصبح برداً وسلاماً بأمر الله إذا احتما بها الصادقون.
تقديم الخبر {جَوَابَ} على الاسم {أَن قَالُوا}: للاهتمام والتشويق لشناعة هذا الجواب المفلس.
صيغة التضعيف {حَرِّقُوهُ}: للدلالة على شدة الحقد والغيظ في نفوسهم ورغبتهم في أشد أنواع الموت نكالاً.
الجمع في {لَآيَاتٍ}: لأن في نجاة إبراهيم آيات متعددة: آية سلب النار خاصية الإحراق، وآية حفظ بدنه وثيابه، وآية انكسار كبرياء نمرود وقومه، وآية استجابة الدعاء للمتوكلين.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين قال إبراهيم وهو في الهواء بين السماء والنار: "حسبي الله ونعم الوكيل"، تحولت الطبيعة الكونية كلها لحمايته؛ فالتوكل الصادق يقلب الموازين ويسخر المستحيل لأولياء الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
ثبات الداعية عند التهديد بالقتل والتعذيب؛ فالأعمار والأقدار بيد الله وحده، وأهل الباطل لا يملكون إحراق شعرة إلا بإذن الله.
الآثار التربوية والوجدانية:
تفويض الأمر لله والاعتصام به: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" عند النوازل.
اليقين بأن معية الله لأوليائه تصنع المعجزات وتغير نواميس الكون.