البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 438)مصدر غير محدد١٨/٤٣٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين: من الذي أنزل الغيث والمطر من السحاب فأحيا به بلاداً ميتة فأنبتت النبات والكلأ بعد جدبها ويبسها؟ ليعترفن وليقولن: الله وحده لا شريك له في إنزال القطر وإحياء الأرض، {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ}: قل الحمد لله على وضوح الحجة، وثبوت الدلالة، وإقرارهم بألسنتهم على أنفسهم بما يوجب التوحيد ويبطل شركهم، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يتدبرون ولا يعقلون التناقض الفاحش الذي يعيشونه بين اعترافهم بالخالق الرازق وعبادتهم للأصنام العاجزة".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 289)مصدر غير محدد٦/٢٨٩: "أمر نبيه بأن يحمد الله على قيام الحجة عليهم بإقرارهم واعترافهم، ثم عاب عليهم تعطيلهم لعقولهم في التوحيد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
مَاءً: المطر الغزير المحيي للتراب والنبات.
الْحَمْدُ: الثناء بالجميل على المحمود بصفات كماله ونعمه، وهو رأس الشكر.
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ: أمر، وجملة الحمد لله الاسمية مقول القول في محل نصب.
بَلْ أَكْثَرُهُمْ: حرف إضراب، مبتدأ ومضاف إليه.
لَا يَعْقِلُونَ: نافية ومضارع وفاعله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (أكثرهم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
البرهان الإحيائي العملي المتكرر أمام أعينهم؛ فبعد آية الفلك وتسخير الشمس والقمر (العوالم العلوية والرزق العام)، ساق هنا آية المطر والإنبات (العالم الأرضي الحسي)؛ ليجمع لهم بين إثبات الألوهية وإثبات البعث؛ فالذي يحيي الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجساد بعد فنائها، وإقرارهم بذلك يستوجب الحمد لظهور الحجة.
سر الأمر بالحمد في قوله {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ}:
لماذا أمر النبي بالحمد عند إقرار المشركين بأن الله هو منزل المطر؟
الجواب الذي حققه الطبري والزمخشري وابن عاشور:
الحمد لله على وضوح الحجة وبلوغ البيان حداً لا يستطيع معه الخصم الإنكار؛ فالحق منصور ناصع في ذاته.
الحمد لله على أنه أنعم عليهم بهذا المطر المحيي وألزمهم بالاعتراف بفضله لتنقطع معاذيرهم في القيامة.
الحمد لله الذي هدانا للتوحيد وعصمنا من التناقض الذي وقع فيه أولئك المشركون؛ حيث يقرون بالمنعم ثم يعبدون غيره!
الاستعارة في {مَوْتِهَا}: استعارة اليبس والجدب وانعدام النبات بالموت، واستعارة خروج الزرع والاخضرار بالحياة؛ لتقريب صورة البعث للأذهان.
الإضراب بـ {بَلْ}: للانتقال من مقتضى الإقرار بالحجة إلى تقرير واقعهم المزري وهو انعدام العقل والتدبر.
الظلال التدبرية والإشارية:
المطر رسالة حياة للقلوب؛ كما تنزل قطرة الماء على التربة الجافة فتهتز وتربو، ينزل الوحي على القلوب الميتة فيحييها بنور الإيمان؛ فالحمد لله الذي يحيي الموات بالماء والوحي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الحمد والشكر لله عند ظهور براهين الحق ووضوح الحجة على الخصوم في ميادين المناظرة والبيان.