البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 427)مصدر غير محدد١٨/٤٢٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى مكرراً لشناعة فعلهم وتثبيتاً لنبيه: يستعجلونك بالعذاب في الدنيا جهلاً منهم وغروراً، وإن جهنم لمحيطة بهم ومحدقة بهم لا محالة في الآخرة؛ فكأنها قد أحاطت بهم في الحال لحتمية وقوعها وسرعة مجيئها، وقيل: محيطة بهم كفرهم وذنوبهم التي هي أسباب دخول جهنم، فلا مهرب لهم منها ولا فكاك".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 286): "أي يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة، وجهنم محيطة بهم جامعة لهم لا محيد لهم عنها ولا مخرج، كقوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 353)مصدر غير محدد١٣/٣٥٣ أن التعبير باسم الفاعل {لَمُحِيطَةٌ} يفيد تحقق الإحاطة وثبوتها كأنها واقعة عياناً الآن.
*تفسيره* (ج 6، ص 286)مصدر غير محدد٦/٢٨٦
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
لَمُحِيطَةٌ: الإحاطة هي التطويق والإحداب بالشيء من جميع جهاته وأقطاره بحيث لا يدع منفذاً للخروج.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ: تكرار استئنافي لتقرير الشناعة والتعجيب من حالهم.
وَإِنَّ جَهَنَّمَ: الواو حالية، إن واسمها منصوب، وجهنم ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث.
لَمُحِيطَةٌ: اللام المزحلقة للتوكيد، "محيطة" خبر إن مرفوع بالضمة.
بِالْكَافِرِينَ: جار ومجرور متعلقان بمحيطة، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الرد الصاعق على السخرية؛ فبينما يضحكون ويستعجلون العذاب الدنيوي الهين، يفاجئهم القرآن بمشهد جهنم المحيطة المطبقة عليهم إحاطة السوار بالمعصم؛ فكأن المعنى: تستعجلون قطرة من العذاب وأنتم غارقون في محيط جهنم الذي ينتظركم؟
التناسب التركيبي الداخلي:
تكرار جملة {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} لإبراز دافع التعجيب من حماقتهم، ومقابلتها بالجملة الاسمية المؤكدة بـ "إنّ" واللام المزحلقة واسم الفاعل الدال على الثبوت والإحاطة {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق زمن الإحاطة في {لَمُحِيطَةٌ}:
هل جهنم محيطة بهم الآن في الدنيا أم في الآخرة؟
التحقيق عند أئمة التفسير واللغة:
في الآخرة: وعبر باسم الفاعل الدال على التحقق والحضور تنزيلاً للمستقبل المؤكد منزلة الحاضر الواقع المشاهد؛ فكل ما قضاه الله فهو كائن كأنه يطوقهم الآن.
في الدنيا مجازاً: محيطة بهم أسبابها من الكفر والمعاصي والضلالات، ومن أحاطت به أسباب الهلاك فكأن الهلاك قد أحاط به وطوقه.
في الحقيقة والبرزخ: جهنم مخلوقة موجودة الآن، وأرواح الكفار معلقة بمقاعدها منها؛ فإحاطتها بهم محققة.
التعبير بالاسمية واسم الفاعل {لَمُحِيطَةٌ}: لإفادة الإطباق والشمول وقطع أي أمل في النجاة أو الثغرات؛ فالإحاطة من كل الجهات.
الظلال التدبرية والإشارية:
أعمى يقف على شفا حفرة مشتعلة ويضحك مستعجلاً الشرار؛ هذا هو حال الكافر والمغرور؛ يستعجل العذاب وهو محاصر بنار جهنم من كل صوب، فما هي إلا سكرة الموت حتى تنكشف الحجب ويسقط في قعرها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
مواجهة استهزاء المعاندين بالحقائق الأخروية المهيبة التي تخرس ألسنتهم وتوقظ ضمائرهم الميتة.