البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 401) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم في النسب شعيباً عليه السلام، فقال لهم ناصحاً ومحذراً: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له وأخلصوا له العبادة، {وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ}: أي اخشوا عقاب يوم القيامة وأملوا ثوابه بالعمل الصالح والتصديق بالبعث، {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}: أي لا تسعوا في الأرض بقطع الطرق، وبخس المكاييل والموازين، وأخذ أموال الناس بالباطل، والتمادي في المعاصي التي تخرب العمران وتفسد الأخلاق".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 276): "أمرهم شعيب بعبادة الله وحده، وتذكيرهم باليوم الآخر ليكون وازعاً لهم عن الجرائم الاقتصادية والأخلاقية، ونهاهم عن العثو وهو أشد الفساد في الأرض".
ويقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج 13، ص 345) أن "الرجاء" هنا يتضمن معنى الخوف والطمع؛ فمن رجا لقاء الله خاف عقابه ورغب في ثوابه.
مُفْسِدِينَ: حال منصوبة بالياء لأنها جمع مذكر سالم مؤكدة لمعنى الفعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الانتقال إلى حلقة جديدة من حلقات صراع الأنبياء: دعوة شعيب عليه السلام؛ حيث تميز قومه بـ "الفساد المالي والاقتصادي" (تطفيف الموازين والمكاييل وقطع الطريق) إلى جانب الشرك؛ لبيان أن رسالات الأنبياء تشتبك مع كل صور الانحراف الإنساني العقدي والمالي والأخلاقي.
التناسب التركيبي الداخلي:
الربط الثلاثي المحكم في دعوة شعيب: التوحيد {اعْبُدُوا اللَّهَ}، والوازع الإيماني الأخروي {وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ}، والنهي عن التدمير الاقتصادي والاجتماعي {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تلازم الإيمان باليوم الآخر مع النزاهة الاقتصادية:
تضع الآية قاعدة أساسية في علم الاجتماع والاقتصاد الإيماني: لا يمكن لأي مجتمع أن يضبط معاملاته المالية ويقضي على الغش والاحتكار والفساد بمجرد القوانين المادية والرقابة الوضعية؛ بل الوازع الحقيقي الحاسم هو "رجاء اليوم الآخر" والخوف من المحكمة الإلهية؛ فإذا غاب هذا الرجاء استشرى العثو والفساد في الأرض وحيل بين القوانين وتطبيقها بالحيل والمكر.
التأكيد بالحال في {مُفْسِدِينَ}: مع أن "تعثوا" تدل على الفساد، تأكيداً للتشنيع على فعلهم وقطعاً لأي شبهة بأن بعض العثو قد يكون لمصلحة.
النداء بـ {يَا قَوْمِ}: لاستمالة قلوبهم وتذكيرهم برابطة القرابة والرحم والحرص على نجاتهم.
الظلال التدبرية والإشارية:
الفساد الاقتصادي ليس مجرد خلل في أرقام التجارة، بل هو معصية تمحق البركات وتستجلب الرعب والرجفة؛ فمن أراد صلاح دنياه فليستقم على أمر ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
اشتمال الخطاب الدعوي على الإصلاح المالي والاجتماعي إلى جانب العقيدة؛ فالإسلام دين متكامل ينظم السوق كما ينظم المسجد.
الآثار التربوية والوجدانية:
تحري الحلال والنزاهة التامة في البيوع والمعاملات والتبرؤ من الغش والبخس.
استحضار هول الوقوف بين يدي الله في اليوم الآخر في كل درهم وكسب.