البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 429) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان: "نزلت هذه الآية الكريمة في المستضعفين من المسلمين بمكة الذين عذبهم المشركون وأرهقوهم وحالوا بينهم وبين إقامة شعائر دينهم، فأمرهم الله تعالى بالهجرة والخروج من مكة إلى المدينة (وقيل إلى الحبشة)؛ فقال: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}: أي إن ضاقت بكم بقعة فلم تقدروا فيها على عبادتي وإظهار توحيدي، فاخرجوا منها وهاجروا إلى سائر بقاع أرضي الواسعة التي تتمكنون فيها من طاعتي، {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}: أي فأخلصوا لي العبادة وحدي ولا تبالوا بفراق الأوطان والديار".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 286): "هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكنهم إقامة التوحيد وطاعة الله ورسوله، كما هاجر الصحابة إلى الحبشة ثم إلى المدينة".
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم {يَا عِبَادِيَ} بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي بإسكانها، وقرأ نافع وأبو جعفر بحذفها وكسر الدال {يَا عِبَادِ}.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
عِبَادِيَ: إضافة العباد إلى ياء المتكلم تفيد التشريف والتكريم والتحنن والرحمة.
وَاسِعَةٌ: السعة ضد الضيق؛ وهي امتداد الآفاق والرحاب في الأرض.
فَاعْبُدُونِ: الفاء رابطة، أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة رسماً للتخفيف في محل نصب مفعول به (أصله فاعبدوني).
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
يَا عِبَادِيَ: يا للنداء، "عبادي" منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة أو ظاهرة على قراءة الفتح، والياء مضاف إليه.
الَّذِينَ آمَنُوا: اسم موصول نعت لعبادي مبني في محل نصب، وجملة آمنوا صلته.
إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ: إن واسمها وخبرها، والياء مضاف إليه.
فَإِيَّايَ: الفاء الفصيحة جزائية، "إياي" ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لفعل محذوف يفسره ما بعده أو للفعل فاعبدون، وقدم لإفادة القصر والحصر.
فَاعْبُدُونِ: الفاء زائدة لتأكيد الربط أو عاطفة، "اعبدون" فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة مفعول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
النداء الحاني والحل العملي لفتنة الاستضعاف؛ فبعد أن بين مصارع الكافرين وأهوال جهنم، التفت سبحانه بنداء يفيض بالحب والرحمة إلى أوليائه المعذبين في مكة، ليعالج التردد النفسي في قلوبهم: إذا كانت مكة قد ضاقت عليكم بأذى صناديدها، فإن الأرض ملكي وهي واسعة فهاجروا منها لإقامة ديني، ولا تعبدوا الأوطان على حساب التوحيد.
التناسب التركيبي الداخلي:
تصدير النداء بإضافة التشريف {يَا عِبَادِيَ} لبلسمة جراحهم، ثم تقرير سعة الأرض {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ}، ثم قصر العبادة عليه وحده بتقديم الضمير المنفصل {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
وجوب الهجرة عند تعذر إقامة الدين:
تؤسس الآية لقاعدة فقهية وعقدية قطعية: "الهجرة من دار الكفر والاضطهاد واجبة على كل مسلم يعجز عن إظهار دينه وشعائره". فالوطن والتراب لا يقدسان لذاتهما، بل القيمة للإيمان والتوحيد؛ فحيثما أمكنك أن تعبد الله وتصدع بشريعته فذاك وطنك، وأما الأرض التي تذل فيها وتفتن عن دينك فالخروج منها عبادة، والتعلق بها عجز وتفريط يستوجب الوعيد؛ كما قال تعالى في النساء: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}.
نداء التشريف بياء الإضافة {عِبَادِيَ}: لإشعارهم بالأمن والكرامة والانتساب إلى الرب الرحيم، مما يهون في نفوسهم فراق الأهل والأوطان.
أسلوب القصر بتقديم الضمير {فَإِيَّايَ}: لتأكيد أن العبادة والخضوع لا يصرفان إلا لله؛ فلا يطاع مخلوق في ترك الدين استبقاءً لمال أو دار.
الظلال التدبرية والإشارية:
أرض الله واسعة؛ ضيق المكان ينبغي ألا يضيق الصدور؛ فإذا أوصد في وجهك باب دعوة في أرض، فافتح أبواباً في أراضٍ أخرى؛ فالمؤمن كالغيث أينما وقع نفع، ولا يسجن نفسه في بقعة تمنعه من طاعة مولاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
فقه الهجرة وتغيير الميدان عند انسداد أفق العمل الدعوي واستحكام الاضطهاد؛ فالإسلام دين عالمي يتحرك في رحاب الأرض كلها.
الآثار التربوية والوجدانية:
التحرر من أسر التعلق بالأوطان إذا تعارضت مع التوحيد.
إخلاص العبودية التامة لله والتجرد له في كل أرض وزمان.