البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 436)مصدر غير محدد١٨/٤٣٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين الذين يعبدون الأوثان ويؤذونك: من الذي خلق السماوات والأرض على عظمتهما، ومن الذي ذلل وسخر الشمس والقمر يجريان بميزان دقيق لمصالح العباد؟ ليقرنّ وليقولنّ معترفين: خلقهن وسخرهن الله وحده لا شريك له، {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}: أي فكيف يُصرفون ويُعدلون عن إخلاص العبادة له وحده إلى عبادة أصنام وأحجار يقرون بأنها لم تخلق شيئاً ولم تسخر فلكاً؟".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 288)مصدر غير محدد٦/٢٨٨: "يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو؛ لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المنفرد بخلق السماوات والأرض وتسخير الكواكب، فإذا كانوا يقرون بتوحيد الربوبية والخلق فكيف ينكرون توحيد الألوهية والعبادة؟".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
سَخَّرَ: التذليل والتوجيه لأداء المهمة طوعاً وفق نظام محكم لا يختل.
يُؤْفَكُونَ: من الإفك، وهو الصرف والانقلاب عن الشيء إلى ضده، أي فكيف يُصرفون عن الحق الظاهر إلى الباطل الأجوف؟
لَيَقُولُنَّ: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة والواو المحذوفة فاعل، والجملة جواب القسم لا محل لها والشرط محذوف الجواب لدلالة جواب القسم عليه.
فَأَنَّىٰ: الفاء عاطفة لترتيب التعجب والاستنكار، "أنى" اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب حال.
يُؤْفَكُونَ: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
إلزام المشركين بتناقضهم العقلي الفادح؛ فبعد أن بين سعة الأرض ورزق الدواب، خاطب المشركين بما يقرون به من توحيد الربوبية والخلق؛ ليقيم عليهم الحجة من داخل منظومتهم الفكرية: إذا كنتم تعترفون بأن الله هو الخالق المسخر، فكيف تصرفون العبادة لغيره؟ وكيف تخافون من فوات الرزق والأمر كله بيده؟
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد إقرارهم بالقسم {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} لبيان أن هذا الاعتراف بديهي لا يستطيعون الفرار منه، وتذييلها بالاستفهام التعجيبي الإنكاري {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} لإظهار سخافة انتكاسهم بعد وضوح الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إلزام توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية:
تعتبر الآية نموذجاً قرآنياً ساطعاً في منهج المحاجة:
كفار قريش ومشركو العرب لم يكونوا ينكرون وجود الله، ولا كونه الخالق الرازق المسخر ({لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}).
ولكن شركهم وجنايتهم كانت في "صرف العبادة والدعاء والرجاء" للأنداد والوسائط.
فيلزمهم القرآن عقلياً: من انفرد بالخلق والتسخير وجب عقلاً أن ينفرد بالعبادة والتأليه، والجمع بين الإقرار بالخالقية وعبادة الحجارة خبل عقلي وانحراف شنيع ({فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}).
التعبير بـ {يُؤْفَكُونَ} بصيغة المبني للمجهول: للإشعار بأنهم كأنهم قد سُحروا أو قيدوا بأوهام صرفتهم عن بديهيات العقول كالمغيب الوعي.
الجمع بين خلق السماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر: للدلالة على الإيجاد ابتداءً (الخلق)، وعلى التدبير والاستدامة المستمرة (التسخير).
الظلال التدبرية والإشارية:
أعجب العجب أن يقر الإنسان بعظمة الله في الكون ثم يذل لغيره في المعاملة؛ فإذا كان الله مسخر الشمس والقمر، فلمَ يرجو العبد نفعاً من مخلوق ضعيف يموت ويفنى؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):