البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 422)مصدر غير محدد١٨/٤٢٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى: وقال مشركو قريش تعنتاً ومكابرة: هلا أُنزل على محمد معجزات حسية خارقة كعصا موسى وناقة صالح وإنزال مائدة عيسى أو تحويل جبل الصفا ذهباً؟ {قُلْ}: قل لهم يا محمد راداً على تعنتهم: {إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ}: أي أمر المعجزات وإنزال الآيات ليس بيدي ولا بمشيئتي، بل هو عند الله وحده ينزل منها ما يشاء بحكمته وعلمه بما يصلح لعباده، {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ}: وما أنا إلا رسول نذير أنذركم عقاب الله وأبين لكم رسالته بلاغاً واضحاً، ولست رباً ولا مالكاً للتصرف في الكون".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 285)مصدر غير محدد٦/٢٨٥: "طلبوا آيات اقتراح وتعنت، كقولهم: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا}، فرد الله عليهم بأن شأن الرسل هو التبليغ والنذارة، وأن المعجزة العظمى الكافية بين أيديهم وهي القرآن".
وقرأ ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي {آيَةٌ} بالإفراد، وقرأ الباقون {آيَاتٌ} بالجمع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
لَوْلَا: حرف تحضيض وتوبيخ بمعنى "هلاّ"، ويطلب بها الفعل بحض وإلحاح.
نَذِيرٌ: مخوف ومحذر من عواقب الشر والعذاب، وصيغة فعيل تدل على المبالغة والتمكن.
مُبِينٌ: مظهر وموضح للحقائق الكاشفة للهدى من الضلال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الرد على عناد المشركين واقتراحاتهم التعجيزية؛ فبعد أن أثبت أن القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، حكى هنا شبهة المعاندين الذين عميت بصائرهم عن إعجاز القرآن فطالبوا بخوارق حسية مادية، فجاء الرد النبوي بتحديد وظيفة الرسالة وتفويض أمر المعجزات إلى مشيئة الخالق الحكيم، ممهداً للآية التالية التي تعلن كفاية القرآن التامة.
التناسب التركيبي الداخلي:
استعمال أسلوب الحصر بـ {إِنَّمَا} مرتين: الأولى لحصر إنزال الآيات في ملكية وعلم الله {إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ}، والثانية لحصر مهمة النبي في النذارة التبيينية {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ}؛ تجريداً للتوحيد ومنعاً لأي غلو في شأن الرسل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة حجب الآيات المقترحة عن قريش:
لماذا لم يجبهم الله إلى ما طلبوا من جعل الصفا ذهباً أو تفجير الأنهار؟
الجواب السنني القرآني:
سنة الله الماضية في الأمم: أن الآيات المقترحة إذا نزلت ثم لم يؤمن بها القوم عوجلوا بعذاب الاستئصال فوراً ولم يمهلوا؛ كما حدث لقوم صالح في الناقة؛ والله برحمته أراد إمهال قريش ليعلم أن من أصلابهم من سيعبد الله وحده.
القرآن معجزة عقلية خالدة تفوق الخوارق الحسية المؤقتة؛ فالمعجزة الحسية تنتهي بموت من عاينها، أما القرآن فمعجزة متجددة باقية لكل عصر وجيل.
القصر والحصر المزدوج بـ {إِنَّمَا}: لإظهار الأدب النبوي الرفيع والتواضع الكامل أمام مقام الربوبية؛ فالنبي عبد مبلغ لا يملك التصرف في نواميس الكون.
التنكير في {نَذِيرٌ مُّبِينٌ}: للتعظيم والتفخيم لرسالته وإنذاره المحذر من عذاب أليم.
الظلال التدبرية والإشارية:
المعاند لا تقنعه المعجزات؛ لو شققت له القمر، أو أحيت له الموتى، لقال: هذا سحر مستمر! فالأزمة ليست في غياب الدليل، بل في فساد البصيرة وعناد القلب المستكبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
وضوح الداعية في بيان وظيفته وحدوده؛ فلا يدعي ما ليس له، ولا ينشغل بإرضاء نزوات الخصوم المتعنتين، بل يركز على البلاغ والبيان.
الآثار التربوية والوجدانية:
تجريد العبودية لله واليقين بأنه المتصرف في الأكوان بحكمته.