البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 434)مصدر غير محدد١٨/٤٣٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى موضحاً صفات أولئك العاملين المستحقين لتلك الغرف العالية: هم {الَّذِينَ صَبَرُوا} على طاعة الله، وصبروا عن معاصيه، وصبروا على أذى المشركين وآلام الهجرة وفراق الأوطان والخلان، {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}: أي يفوضون أمورهم كلها إلى الله وحده، ويثقون بكفايته وتدبيره ورزقه ونصرته، ولا يتوكلون على أحد سواه".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 287)مصدر غير محدد٦/٢٨٧: "جمع الله لهم بين الصبر والتوكل؛ وهما جماع الإيمان وعماد الثبات؛ فالصبر حبس النفس على المكاره ومدافعة الأهواء، والتوكل اعتماد القلب على الله وتفويض الأمر إليه في جلب المنافع ودفع المضار".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
صَبَرُوا: حبسوا أنفسهم وثبتوا على الحق وتحملوا المشاق دون جزع ولا شكوى.
يَتَوَكَّلُونَ: الوكالة هي تفويض الأمر للغير والاعتماد عليه؛ والتوكل على الله صدق اعتماد القلب عليه في استجلاب المصالح ودفع المفاسد مع الأخذ بالأسباب.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع نعت لـ "العاملين" في الآية السابقة أو في محل نصب، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره "هم أصحاب هذه الغرف".
صَبَرُوا: ماضٍ وفاعله، وجملة صلة الموصول لا محل لها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
البيان التفسيري لأهم ركائز العمل المقبول المذكور في {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}؛ فبينت الآية أن جوهر ذلك العمل الصالح الذي أورثهم الغرف ليس مجرد حركات الجوارح، بل هو الحصنان النفسيان العظيمان: الصبر على المكاره، والتوكل الدائم على الله.
التناسب التركيبي الداخلي:
التعبير بالماضي في {صَبَرُوا} للإشعار بأن الصبر قد استقر منهم وثبت وتحقق في مواطن الابتلاء السابقة، والتعبير بالمضارع في {يَتَوَكَّلُونَ} لبيان استمرار وتجدد اعتماد قلوبهم على الله في كل لحظة، وتقديم الجار والمجرور {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ} لقصره عليه وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ثنائية الصبر والتوكل كسرّ للانتصار في معركة الوجود:
تقرر الآية المعادلة الإيمانية العظمى للنجاح والثبات:
الصبر: طاقة المدافعة الداخلية لشهوات النفس وفتن الأعداء ومكاره الطريق.
التوكل: طاقة الاتصال بالقدرة الإلهية المطلقة والاستمداد من فيض معونة الله.
فمن صبر بلا توكل انكسر وضعف، ومن توكل بلا صبر عجز وتراجع؛ فإذا اجتمع الصبر والتوكل فاز العبد بأجر العاملين وغرف النعيم المقيم.
المخالفة بين صيغتي الماضي والمضارع: في {صَبَرُوا} بالماضي لتحقيق وقوعه، و{يَتَوَكَّلُونَ} بالمضارع لإفادة التجدد والدوام والاستحضار الحركي لحال التوكل.
تقديم المعمول {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ}: لتقرير التوحيد الخالص؛ فلا يجوز التوكل إلا على الرب الخالق القادر.
الظلال التدبرية والإشارية:
الصبر والتوكل جناحا الطائر الإيماني؛ بهما يحلق العبد فوق فتن الأرض وزخارفها، وبهما يعبر صراط الابتلاء سالماً حتى يستقر في غرف الخلد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تربية الصف المسلم على خصلتي الصبر والتوكل؛ فهما الزاد الحقيقي لتحمل أعباء الرسالة ومشاق الهجرة والدعوة.
الآثار التربوية والوجدانية:
ترويض النفس على الصبر الجميل عند نزول المصائب.
تفويض الأمور كلها إلى الله والثقة التامة برحمته وحسن تدبيره.