البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 399)مصدر غير محدد١٨/٣٩٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: ولقد أبقينا من تلك القرية الهالكة (سدوم) علامة ظاهرة ودلالة واضحة على دمارها وهلاك أهلها بكفرهم وشذوذهم، وهي تلك البحيرة الخبيثة المنتنة الميتة (البحر الميت) والحجارة السوداء والآثار المنكوبة التي يمر بها المسافرون في طريقهم بين الشام والحجاز، كما قال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}: لقوم ذوي عقول راشدة وبصائر نافذة يتدبرون العواقب ويميزون أسباب الهلاك من أسباب النجاة".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 276)مصدر غير محدد٦/٢٧٦: "أي تركنا من خراب ديارهم ونتن مائها وحجارتها عبرة ظاهرة بينة واضحة لكل ذي عقل وتفكر".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 344)مصدر غير محدد١٣/٣٤٤ أن تذكير أهل مكة بآثار قوم لوط كان استنهاضاً لعقولهم؛ لأنهم كانوا يمرون عليها في رحلات تجارتهم إلى الشام ويرونها رأي العين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
تَّرَكْنَا: أبقينا وخلّفنا بعد الإهلاك والزوال.
بَيِّنَةً: واضحة جلية كاشفة لا لبس فيها ولا غموض.
يَعْقِلُونَ: من العقل وهو الإمساك والربط ومنع النفس من الهوى والوقوع في المهالك.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَلَقَد تَّرَكْنَا: الواو عاطفة، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "قد" حرف تحقيق، ماضٍ وفاعله نون العظمة.
مِنْهَا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من آية تقدم عليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الخاتمة والدرس الحضاري لقصة لوط؛ فبعد استعراض تفاصيل العذاب، بين أن الله لم يمحُ آثار القرية تماماً، بل أبقى شواهد خرابها عبرة تاريخية شاخصة، ليراها العاقلون فيعتبروا ولا يكرروا نفس الانحرافات.
التناسب التركيبي الداخلي:
التأكيد بالقسم والتحقيق {وَلَقَد تَّرَكْنَا}، ووصف الآية بـ {بَيِّنَةً} لنفي أي غموض تاريخي، وتخصيص الانتفاع بـ {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لأن الجاهل يمر على الآيات وهو عنها معرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الآثار الجغرافية والتاريخية كبراهين صدق للقرآن:
تعتبر منطقة البحر الميت (بحر لوط) وما حولها من انخفاض جيولوجي عميق وتربة كبريتية محترقة ومياه شديدة الملوحة لا تعيش فيها كائنات، شاهداً جغرافياً حياً باقياً إلى يومنا هذا، يؤكد الإعجاز التاريخي للقرآن الكريم؛ فالآية باقية بينة تشهد على صدق النبوة وصحة القصص القرآني.
الوصف بـ {بَيِّنَةً}: للإشعار بوضوح دلالتها بحيث لا تحتاج إلى تكلف في الاستدلال؛ فالدمار ناطق بأسبابه.
التقييد بالعقل {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}: فيه ثناء على تحكيم العقل الرشيد، وتعريض بالمشركين الذين يمرون على هذه الآثار ولا ينتفعون بعقولهم وكأنهم أنعام.
الظلال التدبرية والإشارية:
الآثار والخرائب لم تترك لتكون مجرد مزارات سياحية عابثة يلتقط فيها الناس الصور ويضحكون، بل جعلها الله "آيات بينات" لإيقاظ القلوب، وإدراك خطورة غضب الجبار إذا حلت نقمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
استثمار الشواهد التاريخية والمواقع الأثرية المندثرة لتذكير الناس بسنن الله في إهلاك المكذبين.