البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 358)مصدر غير محدد١٨/٣٥٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: والذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم به وانتهوا عما نهاهم عنه، وصبروا على أذى أقاربهم وفتنهم، لنلحقنهم في الجنة بعبادنا الصالحين من النبيين والصديقين والشهداء، فنجمع بينهم وبينهم في منازل الكرامة والنعيم".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 265)مصدر غير محدد٦/٢٦٥: "أي لنحشرنهم يوم القيامة مع زمرة الصالحين، وفي صحبتهم المباركة، كقوله تعالى: {فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا}".
ويؤكد القرطبي (ج 13، ص 331)مصدر غير محدد١٣/٣٣١ أن "الإدخال في الصالحين" يتضمن تبديل الوحشة من فراق الأهل الكافرين بأنس الصحبة الصالحة الأبدية في جنات النعيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
لَنُدْخِلَنَّهُمْ: الإدخال هو التصيير إلى داخل الشيء والضم إليه بإحكام وإكرام.
الصَّالِحِينَ: القائمون بحقوق الله وحقوق العباد، المستقيمون على الهدى والتقوى.
لَنُدْخِلَنَّهُمْ: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "ندخلنهم" مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به أول.
فِي الصَّالِحِينَ: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لندخلنهم (لتضمنه معنى نلحقهم أو نجمعهم)، أو متعلقان بالفعل لبيان الظرفية الحالية والمكانية، والجملة خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
عوض رباني بديع وسلوى نفسية كبرى لمن فارق والديه وقرابته في الله؛ فحين يمتثل الشاب المؤمن لأمر الله ويرفض متابعة والديه على الكفر، قد يستشعر وحشة العزلة والغربة وانقطاع النسب، فطمأنه الله بأنه لن يتركه وحيداً، بل سيدخله في أعظم أسرة وأشرف صحبة عرفها الوجود: صحبة الصالحين في جنات النعيم.
التناسب التركيبي الداخلي:
التأكيد بالقسم والنون {لَنُدْخِلَنَّهُمْ} لتبديد كل خوف من التهميش أو الضياع، ومقابلة الانفصال المؤقت عن الأهل الكافرين بالاتصال الأبدي بزمرة الصالحين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة القرابة الإيمانية والنسب الروحي:
تثبت الآية أن النسب الحقيقي الذي يقوم عليه بنيان المجتمع المسلم وخلود الآخرة هو "نسب العقيدة والإيمان" لا مجرد وشائج الطين والدم؛ فإذا انقطعت عروة الدين بين الابن وأبيه لم يبقَ بينهما تناصر في الآخرة، بينما يرتبط المؤمن بأخيه المؤمن في أقطار الأرض برباط وثيق يجمعهم الله عليه في الفردوس الأعلى.
التعدية بـ {فِي} في {فِي الصَّالِحِينَ}: لم يقل "مع الصالحين" بل قال "في"، للدلالة على الاندماج التام والاستغراق في هذه الزمرة المباركة؛ بحيث يصبح عضواً أصيلاً فيها لا مجرد رفيق عابر.
الظلال التدبرية والإشارية:
من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ فمن تخلى عن رضا والديه في معصية الله رزقه الله إخوة في الدين يحبهم ويحبونه، وجمع له الشمل في الآخرة مع صفوة الخلق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
رعاية المهتدين والمستضعفين في المحاضن التربوية، وتوفير البيئة البديلة والصحبة الصالحة التي تعوضهم عن فراق مجتمعاتهم وعشائرهم المنحرفة.
الآثار التربوية والوجدانية:
التعلق بالصالحين والحرص على موالاتهم والتخلق بأخلاقهم.
استصغار وحشة الغربة في سبيل الله؛ فإن موكب الصالحين ممتد يملأ الأكوان.