البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 418)مصدر غير محدد١٨/٤١٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: وكما أنزلنا الكتب على الرسل من قبلك كالتوراة والإنجيل، كذلك أنزلنا إليك يا محمد هذا القرآن العظيم مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه؛ {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}: يعني من وفقهم الله من أهل الكتاب ممن قرأ التوراة والإنجيل بحق ولم يحرفهما كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي والنجاشي وأصحابه؛ فإنهم يجدون صفتك ونعتك مكتوباً عندهم فيؤمنون به، {وَمِنْ هَٰؤُلَاءِ}: يعني من أهل مكة والعرب، {مَن يُؤْمِنُ بِهِ}: كالمهاجرين والأنصار، {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ}: أي وما ينكر أدلتنا وبراهيننا وحجج قرآننا إلا الجاحدون المصرون على الكفر والمعاندة بغير حجة".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 283)مصدر غير محدد٦/٢٨٣: "الجاحد هو الذي يعرف الحق ثم ينكره عناداً واستكباراً؛ فالكتاب بين واضح، ودلائل صدقه قاطعة لا ينكرها إلا من غلب عليه الشقاء والران".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَجْحَدُ: الجحود هو إنكار ما ثبت في القلب وعُلمت صحته حسّاً أو عقلاً بلسان العناد والتكبر.
الْكَافِرُونَ: الستر والتغطية للحق بعد ظهوره وانكشافه.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَكَذَٰلِكَ: الواو استئنافية، الكاف حرف جر، ذا اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق مقدم لـ "أنزلنا" (أي إنزالاً كائناً كذلك الإنزال العظيم أنزلنا).
أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ: ماضٍ وفاعله، ومتعلقان بأنزلنا، و"الكتاب" مفعول به.
إِلَّا الْكَافِرُونَ: أداة حصر، "الكافرون" فاعل يجحد مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
ربط القرآن بسلسلة الوحي التاريخي المتصل؛ فبعد أن أمرهم بأن يقولوا لأهل الكتاب: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ}، أكد هنا أن القرآن ليس بدعاً من الرسل، بل نزل على نفس نسق النبوات السابقة، وأن المنصفين من علماء أهل الكتاب والعرب سارعوا إلى الإيمان به لما وجدوا فيه من نور الحق والتصديق.
التناسب التركيبي الداخلي:
استعمال الكاف المشبهة {وَكَذَٰلِكَ} للدلالة على تماثل الإنزال وعظمة المصدر، ثم تقسيم المنتفعين إلى طائفتين: مؤمنو أهل الكتاب ومؤمنو العرب، وختامها بحصر الإنكار في دائرة الجحود والكفر العائد على العناد لا على خفاء الحجة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طبيعة الكفر بالقرآن: كفر عناد لا كفر جهل:
تثبت الآية أن المعرضين عن القرآن لا يفعلون ذلك لنقص في براهين القرآن، بل لعلة نفسية خبيثة وهي "الجحود" {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ}؛ فالجحود اعتراف داخلي يقابله تكذيب باللسان حسداً واستكباراً؛ وهذا ينزع عن المعاندين كل عذر عقلي أمام الله.
القصر والحصر بـ {وَمَا... إِلَّا}: لتسجيل الإدانة القطعية وحصر صفة الجحود في الكافرين الميؤوس من إنصافهم.
التعبير بالصلة في {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}: إشارة إلى أن من أوتي الكتاب حقاً وعمل به لابد أن يقوده علمه الصادق إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
الظلال التدبرية والإشارية:
الحق كالشمس في رابعة النهار؛ لا ينكره إلا أعمى أو ذو عينين يتعمد إغماضهما جحوداً وكبراً؛ والقلب السليم ينقاد للقرآن بمجرد سماعه لعلمه بفطرته أنه كلام رب العالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الاستدلال بشهادة المنصفين من أتباع الشرائع الأخرى لتقوية الحجة وتثبيت المؤمنين وفضح عناد المكذبين.
الآثار التربوية والوجدانية:
التسليم المطلق لآيات الله والحذر من داء الجحود ومكابرة الحق.
الشكر لله على نعمة انشراح الصدر للقرآن والتصديق به.