البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 446)مصدر غير محدد١٨/٤٤٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى ذكره: ولا أحد أشد ظلماً وعدواناً وجناية على نفسه من رجلين أو من اتصف بخصلتين: من اختلق على الله كذباً فزعم أن له ولداً أو شريكاً أو حلل وحرم من عند نفسه، أو كذب بالحق والقرآن والنبوة الصادقة لما جاءه وبهرته دلائله ومعجزاته بغير شبهة ولا برهان، {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}: استفهام تقريري؛ أي بلى، إن في جهنم لمنزلاً ومأوى ومقراً دائماً يخلد فيه هؤلاء الكافرون المعاندون جزاء افترائهم وتكذيبهم".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 290)مصدر غير محدد٦/٢٩٠: "أي لا أحد أشد عقوبة ممن كذب على الله أو كذب بالحق؛ فإن الأول قال باطلاً ونسبه إلى الله، والثاني رد الحق الصادق الذي جاءه من عند الله، فجمع بين الافتراء والجحود، وجزاؤه الخلود في نار جهنم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
أَظْلَمُ: اسم تفضيل من الظلم، واستعماله في الاستفهام الإنكاري يفيد نفي وجود من هو أشد ظلماً منه.
افْتَرَىٰ: اختلق وزوّر الكذب من تلقاء نفسه.
مَثْوًى: موضع الثواء، وهو الإقامة الطويلة الدائمة والاستقرار في المكان.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَمَنْ: الواو استئنافية، "من" اسم استفهام إنكاري مبتدأ مبني على السكون في محل رفع.
أَظْلَمُ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِمَّنِ: من حرف جر، "من" اسم موصول في محل جر متعلقان بأظلم.
افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا: ماضٍ وفاعله مستتر، ومتعلقان بافترى، و"كذباً" مفعول به أو مفعول مطلق، والجملة صلة الموصول.
أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ: معطوف، ماضٍ ومتعلقان به.
لَمَّا جَاءَهُ: حينية، ماضٍ ومفعوله وفاعله مستتر يعود على الحق، والجملة مضاف إليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
حصر أسباب الشقاء والظلم الإنساني في صورتين شنيعتين: "التشريع والقول على الله بلا علم" (الافتراء)، و"رد الوحي والصد عن الهدى" (التكذيب بالحق)؛ فالمشركون جمعوا بين اختلاق الشركاء وتحريم البحيرة والسائبة، وبين تكذيب الرسول المعصوم فور مجيئه، فاستحقوا أن يحكم عليهم بأنهم أظلم الظالمين وأن مثواهم الأبدي في قعر جهنم.
التناسب التركيبي الداخلي:
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي المطلق {وَمَنْ أَظْلَمُ}، والتقييد الصاعق في التكذيب بـ {لَمَّا جَاءَهُ} لبيان سرعة ردهم للحق دون تدبر، ثم الاستقرار النهائي بالسؤال التقريري {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شناعة القول على الله بغير علم وتكذيب الحق:
تضع الآية ميزاناً أخلاقياً ومعرفياً صارماً: أعظم الجرائم عند الله ليست الجرائم المادية كأكل الأموال وسفك الدماء فحسب - مع عظم شناعتها -، بل رأس المظالم كلها هو "الافتراء على الله" ونسبة الباطل إلى شرعه، و"رد الحق الصريح" بعد بيانه؛ لأن هذا إفساد لمصادر الهداية البشرية وإضلال لأمم الأرض قاطبة، فلا جرم أن كان صاحبه أظلم الناس.
الاستفهام الإنكاري في {وَمَنْ أَظْلَمُ}: وهو أبلغ من مجرد القول "لا أحد أظلم"؛ لأنه يستنطق عقول السامعين بالاعتراف.
التقييد بـ {لَمَّا جَاءَهُ}: للإشعار بوقاحة الموقف؛ فالحق جاء إليه بنفسه يطرق بابه ببيانه ونوره، فقابله بالتكذيب الفوري العاجل بلا تأمل ولا إنصاف.
التقرير في {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى}: تقرير يملأ النفس رعباً بحتمية المصير واستقراره.
الظلال التدبرية والإشارية:
احذر أن تقول على الله ما لا تعلم، واحذر أن ترد حقاً جاءك من كتاب أو سنة لمجرد أنه خالف هواك أو حزبك أو مذهبك؛ فرد الحق كفر وجحود يستوجب المثوى المظلم في قعر جهنم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
حماية جناب الشريعة من المبتدعة والمفترين الذين يدخلون في الدين ما ليس منه، وقبول الحق من كل من جاء به دون كبر.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخضوع التام للحق بمجرد سماعه والانقياد له.
الخوف من عذاب جهنم والثواء المقيم فيها للكافرين والمفترين.