البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 378)مصدر غير محدد١٨/٣٧٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: هو الحاكم العدل والمالك المطلق، يعذب من يشاء من خلقه بعدله لمخالفتهم أمره وتكذيبهم رسله، ويرحم من يشاء بفضله وإحسانه لمن آمن به وأطاعه، لا معقب لحكمه ولا سائل له عما يفعل، {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ}: أي وإليه وحده تردون وترجعون في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 270)مصدر غير محدد٦/٢٧٠: "هو المالك المتصرف الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فيعذب من استحق العذاب بعدله، ويرحم من سبقت له الرحمة بفضله، وإليه مصير الخلائق كلهم".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 337)مصدر غير محدد١٣/٣٣٧ أن "القلب" هنا هو الرد والإرجاع، مأخوذ من قولك قلبت الشيء إذا رددته على ظهره أو وجهه الآخر، والمراد النقلة من دار الدنيا إلى دار الحساب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
تُقْلَبُونَ: من القلب وهو التحويل والرد والإرجاع، واستعمل هنا لبيان الانقلاب الكلي من حال الفناء في القبور إلى حال الحياة والحساب أمام الله.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
يُعَذِّبُ: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو.
مَن يَشَاءُ: "من" اسم موصول مفعول به، وجملة "يشاء" صلته، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: من يشاء تعذيبه بعدله.
وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ: معطوفة وإعرابها نظيرها.
وَإِلَيْهِ: متعلقان بـ "تقلبون" لبيان القصر والحصر.
تُقْلَبُونَ: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
بيان الغاية والمصير من النشأة الآخرة؛ فبعد أن أثبت حتمية البعث والإعادة، بين هنا مقتضى ذلك البعث وهو الفصل القضائي بين العباد؛ فليس البعث مجرد إحياء للمشاهدة، بل هو لتقرير العذاب العادل على المعاندين، وتنزيل الرحمة السابغة على الصابرين المؤمنين.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مشيئة التعذيب والرحمة وفق الحكمة الإلهية:
قد يتوهم واهم أن قوله: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ} إرادة عشوائية بلا حكمة؛ وحاشا لله!
التحقيق عند أهل السنة والجماعة: أن مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله وفضله؛ فتعذيبه لمن يشاء هو تعذيب لمن اختار الكفر والسيئات بعد قيام الحجة عليه بالرسل، فرحمته فضل وعدله حق؛ كما بين في آيات أخر: {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} لمن كفر، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}. فمشيئته سبحانه منزهة عن الظلم والعبث.
المقابلة التامة: بين التعذيب والرحمة، وهما قطبا التعامل الإلهي مع المكلفين.
أسلوب القصر والتقديم: في {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ}؛ ليفيد أنه لا مهرب لأحد إلى غيره، ولا مرجع لسواه؛ فالجميع مقلوبون إليه قهراً وخضوعاً.
الظلال التدبرية والإشارية:
الانقلاب إلى الله حقيقة يغفل عنها الراكضون في مغريات الدنيا؛ فكل حركة وسكون، وكل صعود وهبوط، سينتهي إلى هذه النقلة الحاسمة: الانقلاب إلى الله؛ فالسعيد من استعد لهذا الانقلاب بما يوجب الرحمة وينجي من العذاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الجمع بين الترهيب والترغيب؛ ترهيب العصاة من عذاب الله الذي لا يطاق، وترغيب المؤمنين برحمته الواسعة.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخوف والرجاء؛ فلا يأمن العبد مكر الله، ولا ييأس من روحه ورحمته.
استشعار المصير المحتوم بالرجوع إلى الله والاستعداد للعرض عليه.