البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 393)مصدر غير محدد١٨/٣٩٣ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: "لما استيأس نبي الله لوط عليه السلام من إيمان قومه، ورأى عتوهم وتمردهم واستهزاءهم واستعجالهم للعذاب، لجأ إلى ربه ومولاه متضرعاً مستنصراً فقال: {رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}؛ أي أنزل بهم نقمتك وعذابك الذي يستحقونه، وافتح بيني وبينهم بالحق، وانصرني بإهلاك من أفسد في الأرض وقطع السبيل وعطل الفطرة".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 274)مصدر غير محدد٦/٢٧٤: "دعا عليهم لما تناهوا في الشر والفساد وعجزت فيهم الحجج والمواعظ، فاستجاب الله دعاءه وأرسل إليه الملائكة الكرام لإهلاكهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
انصُرْنِي: النصر هو العون والتأييد والغلبة وإظهار الحق وقهر المعتدي.
الْمُفْسِدِينَ: جمع مفسد، وهو من يخرج الشيء عن حد صلاحه ونفعه إلى الضرر والشر والخراب.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
قَالَ: ماضٍ وفاعله مستتر يعود على لوط.
رَبِّ: منادى بحرف نداء محذوف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء مضاف إليه.
انصُرْنِي: فعل دعاء وطلب مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت، والنون للوقاية والياء مفعول به.
عَلَى الْقَوْمِ: متعلقان بانصرني.
الْمُفْسِدِينَ: نعت للقوم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة الدعاء مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الفيصل بين مرحلة البلاغ ومرحلة العقاب؛ فحين قالوا مستهزئين: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ} لم يملك الرسول المستضعف الوحيد بين أولئك الجفاة سلاحاً إلا اللجوء إلى رب الأرباب وسؤاله النصرة؛ فكان هذا الدعاء هو الصاعقة التي فتحت أبواب السماء بإرسال ملائكة الإهلاك.
التناسب التركيبي الداخلي:
إيجاز الدعاء وبلاغته؛ فلم يدعُ بتفاصيل الانتقام، بل فوض الأمر لله بكلمة {انصُرْنِي}، ووصفهم بالوصف المستوجب للعقوبة وهو الفساد {الْمُفْسِدِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مشروعية دعاء الأنبياء على أقوامهم:
دعا نوح ودعا لوط على أقوامهم؛ وذلك لم يكن بدافع الانتقام الشخصي أو ضيق الصدر، بل بعد أن بلغ الفساد حداً لا يرجى معه صلاح، وبعد أن استعجل القوم العذاب وتحدوا به، وبعد أن علم الأنبياء أن بقاءهم إفساد مستمر للأجيال القادمة وللفطرة الإنسانية، فكان الدعاء استنقاذ للمجتمع الإنساني من وباء مستطير.
حذف ياء المتكلم في {رَبِّ}: لإظهار القرب والمناجاة والانكسار السريع بين يدي الخالق الرحيم.
العدول إلى الوصف بالفساد {الْمُفْسِدِينَ}: لتعليل استحقاقهم للعذاب؛ فهم لم يكونوا فاسدين في أنفسهم فقط، بل مفسدين لغيرهم قاطعين للسبيل مخربين للفطرة.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين تنقطع أسباب الأرض وتنعدم النصرة البشرية، يبقى باب السماء مفتوحاً؛ ودعوة المظلوم المستضعف ليس بينها وبين الله حجاب، فكيف إذا كانت من نبي مرسل؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
التوجه إلى الله بالدعاء عند اشتداد البلاء وتكالب الأعداء؛ فالدعاء سلاح المؤمن الأقوى الذي يقلب الموازين.
الآثار التربوية والوجدانية:
التبرؤ من المفسدين ومقت أفعالهم.
اليقين بأن الله لا يضيع أولياءه الصادقين وسينصرهم ولو بعد حين.