البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 377)مصدر غير محدد١٨/٣٧٧ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: "يقول تعالى لنبيه قل لهؤلاء المنكرين للبعث: سيروا بأقدامكم وعقولكم في أرجاء الأرض، فانظروا وتأملوا في صنوف خلق الله، ومصائر الأمم السابقة، وكيف أوجد الله أنواع الكائنات من جماد ونبات وحيوان وإنسان بعد أن لم تكن شيئاً، ثم اعلموا أن الذي قدر على هذا الابتداء المتنوع العجيب هو الذي ينشئ النشأة الآخرة يوم القيامة فيحيي الموتى ويبعثهم من قبورهم؛ {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يتعاصى عليه خلق ولا بعث".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 270)مصدر غير محدد٦/٢٧٠: "أي استدلوا بما تشاهدونه من بديع خلق الله في الأرض، وتنوع آياته، على كمال قدرته على إعادتكم بعد الموت، فالنشأة الآخرة كائنة لا محالة بقدرته التي لا تتناهى".
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم {النَّشْأَةَ} بالهمز، وقرأ الباقون {النَّشَاءَةَ} بألف ممدودة وفتح الشين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
سِيرُوا: السير هو الانتقال والحركة في الأرض، ويتضمن هنا السير الحسي بالأقدام والسير العقلي بالبصائر والتفكر.
يُنشِئُ: الإنشاء هو الإيجاد والتربية والتكوين خطوة فخطوة حتى يكتمل الشيء.
النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ: مفعول به أو مفعول مطلق مؤكد لعامله منصوب، والآخرة نعت منصوب.
إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: إن واسمها، والجار والمجرور متعلقان بقدير، وقدير خبر إن مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
دعوة تطبيقية وبحثية للنظر الميداني؛ فبعد أن قرر في الآية السابقة النظر المجرد، أمر هنا بالسياحة العلمية والنظر التجريبي والاستقرائي في أرجاء الأرض؛ ليعاين المكذبون أحافير الأمم، وتنوع طبقات الأرض، وبدايات الحياة، فيستيقنوا أن الحياة لم تأتِ صدفة بل بقدرة خالق حكيم قادر على الإعادة.
التناسب التركيبي الداخلي:
ترتيب خطوات البحث المعرفي: السير الحسي {سِيرُوا}، يعقبه النظر التحليلي {فَانظُرُوا}، يعقبه الاستنتاج العقلي {كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}، ثم الوصول إلى النتيجة الكلية الحتمية {ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تأسيس المنهج العلمي الاستقرائي في القرآن:
تعتبر الآية من أعظم الركائز القرآنية في الحث على البحث الجيولوجي والبيولوجي والتاريخي؛ فالقرآن لا يطلب إيماناً أعمى، بل يطلب من المشككين في البعث أن يسيروا في الأرض ويدرسوا كيفية بدء الخلق وتطور الكائنات ونشأتها الأولى، ليقودهم هذا الاستقراء العلمي إلى الإقرار بطلاقة القدرة الإلهية وحتمية البعث والنشأة الآخرة.
الجملة الاسمية في {ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ}: العدول عن الفعلية إلى الاسمية لتقرير ثبوت صفة الإنشاء لله وحده ودوام ألوهيته وقدرته.
العموم التام المستغرق في {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: لتذييل الحكم بقاعدة كلية ترفع كل استبعاد عقلي للبعث؛ فإذا كان قديراً على كل شيء فكيف يعجزه بعث الموتى؟
الظلال التدبرية والإشارية:
السياحة في الأرض في المفهوم الإسلامي ليست لهواً ولا ترفاً مجرداً، بل هي رحلة إيمانية واستبصار في آيات الله وبديع صنعه ومصائر الأمم الغابرة، لتزكو النفس ويزداد اليقين بالمعاد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
توظيف العلوم الطبيعية والكونية والاستكشافات في خدمة الدعوة وترسيخ قضايا الإيمان؛ فالعلم الصحيح خادم للوحي ومؤكد لحقائقه.