البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 352)مصدر غير محدد١٨/٣٥٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}: أي أم يظن هؤلاء المشركون المجرمون الذين يؤذون أولياء الله ويبارزونه بالمعاصي والشرك، {أَن يَسْبِقُونَا}: أي أن يعجزونا ويفوتونا فلا نقدر على الانتقام منهم ومؤاخذتهم؟ {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}: أي بئس الحكم والظن الذي يظنونه ويقضون به في حق ربهم القادر القاهر".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 263)مصدر غير محدد٦/٢٦٣: "لما ذكر تعالى اختباره للمؤمنين بالبلاء والأذى، عقب بذكر الظالمين المتسلطين عليهم بالعدوان؛ مبيناً أنه وإن أمهلهم فإنه لا يهملهم، ولن ينجوا من قبضته وسلطانه، بل سينتقم منهم أشد الانتقام".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 326)مصدر غير محدد١٣/٣٢٦ أن قوله {أَن يَسْبِقُونَا} مأخوذ من سباق الخيل، أي يفوتونا ويعجزوا قدرتنا بالهرب، وهيهات!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
أَمْ: منقطعة تفيد الإضراب والانتقال من إنكار حسبان المؤمنين إلى إنكار حسبان المجرمين الفاسدين، وتتضمن معنى بل والهمزة الإنكارية.
يَسْبِقُونَا: السبق هو التقدم وتجاوز الطالب بحيث لا يدرك، واستعمل هنا مجازاً في الإعجاز والفوات والنجاة من العقاب.
أَن يَسْبِقُونَا: مصدر مؤول سد مسد مفعولي حسب، والفاعل واو الجماعة، و"نا" مفعول به.
سَاءَ: فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح.
مَا: نكرة موصوفة في محل نصب تمييز لفاعل ساء المستتر، أو اسم موصول في محل رفع فاعل لساء، والمخصوص بالذم محذوف تقديره "حكمهم".
يَحْكُمُونَ: صلة "ما" أو نعتها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
توازن قرآني معجز؛ فبعد أن حذر المؤمنين من التراخي وبين أن البلاء سنة في حقهم، التفت فوراً إلى الطغاة والمجرمين الذين تسببوا في هذا الأذى؛ لئلا يظنوا أن تسليطهم على المؤمنين رضاء عنهم أو عجز من الله عن إهلاكهم، فجاء هذا الوعيد المزلزل ليطمئن قلوب المظلومين ويرعب أفئدة الظالمين.
التناسب التركيبي الداخلي:
تكرار مادة "الحسبان" {أَحَسِبَ النَّاسُ... أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ...} للمقابلة بين وهمين باطلين: وهم المؤمن بإيمان رخو بلا ثمن، ووهم الكافر بالإفلات من قبضة الجبار بلا عقاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة إمهال الظالمين وسقوط وهم الإفلات:
تدمغ الآية الشبهة التي تعتري بعض الضعفاء حين يرون طغيان المستكبرين يمتد دون عقاب عاجل؛ فتبين أن تأخر العقوبة هو استدراج وإمهال حكيم وليس إهمالاً ولا عجزاً؛ فالكون كله في قبضة الله، ولا يمكن لمخلوق أن يسبق قضاء الله أو يهرب من ملكوته؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" (صحيح البخاري: 4686).
الاستعارة التمثيلية في {أَن يَسْبِقُونَا}: تصوير الكفار في محاولتهم التملص من قدر الله وعقابه بحال الطريد الذي يحاول أن يسبق طالبه الحثيث، ثم إظهار عجزهم التام وهوانهم أمام القدرة الإلهية المطلقة.
الذم الصريح بـ {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}: لتقبيح عقولهم وتفكيرهم السقيم الذي بنى أحكامه على الجهل بألوهية الله وعظمته.
الظلال التدبرية والإشارية:
اطمئنان قلب المظلوم؛ حين يعلم العبد المعذب أن ظالمه واقع حتماً في شباك العدالة الإلهية، وأن كل دمعة وجرح سيكتب في صحائف القصاص، تسكن نفسه وتتحول آلامه إلى ثبات ورجاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):