البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 375)مصدر غير محدد١٨/٣٧٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: أولم ينظر هؤلاء المشركون المنكرون للبعث بأبصارهم وبصائرهم كيف ينشئ الله الخلق ابتداءً من العدم ولم يكن شيئاً مذكوراً، ثم يميته ثم يعيده حياً كهيئته الأولى؟ إن إعادة الخلق بعد فنائه أهون وأيسر عند القياس العقلي من ابتدائه، وكل ذلك على الله يسير هين لا يعجزه شيء".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 269)مصدر غير محدد٦/٢٦٩: "هذا استدلال بالنشأة الأولى المشاهدة على النشأة الآخرة الموعودة؛ فإن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}".
وقرأ حمزة والكسائي {أَوَلَمْ تَرَوْا} بالتاء على الخطاب، وقرأ الباقون {أَوَلَمْ يَرَوْا} بالياء على الغيبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يُبْدِئُ: البدء هو إحداث الشيء أولاً على غير مثال سابق، واختراعه من العدم.
يُعِيدُهُ: الإعادة هي إرجاع الشيء إلى حالته الأولى بعد تغيره وفنائه.
يَسِيرٌ: السهل الهين الذي لا يحتاج إلى كلفة ولا مشقة.
كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ: "كيف" اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، "يبدئ" مضارع، ولفظ الجلالة فاعل، "الخلق" مفعول به، والجملة علقت فعل الرؤية القلبية عن العمل ومحلها سد مسد مفعولي يروا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الانتقال إلى البرهان الكوني العقلي على قضية البعث والجزاء؛ فالكفار إنما كذبوا بالرسل لأنهم استبعدوا القيامة والنشأة الآخرة، فأقام القرآن عليهم الحجة المشاهدة في آفاق أنفسهم والكون: الذي بدأكم قادر على إعادتكم.
التناسب التركيبي الداخلي:
استعمال {كَيْفَ} لبيان هيئة الإبداع وبديع الصنعة في الخلق الأول وتدرجه، ثم العطف بـ {ثُمَّ} لبيان الفاصل الزمني بين الإفناء والإعادة، وختامها بتقرير السهولة المطلقة {إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان العقلي البديهي على الإعادة:
حجة القرآن العقلية في إثبات البعث تقوم على قياس الأولى:
أن الإيجاد من العدم المحض أصعب في موازين العقل من إعادة تركيب وتجميع الذرات الموجودة أصلاً.
فإذا عاين الإنسان بأم عينه كيف يخلقه الله من نطفة مهينة ثم يخرجه بشراً سوياً، فكيف يعقل أن يعجز نفس الخالق عن إعادته بعد موته؟ إنكار البعث مع الإقرار بالخلق الأول تناقض عقلي فاضح.
الاستفهام التقريري التوبيخي: في {أَوَلَمْ يَرَوْا}؛ لاستنهاض البصيرة وتحريك الفكر للتأمل في المشاهد اليومية لتولد الأحياء ونمو النبات بعد موته.
اسم الإشارة {ذَٰلِكَ}: للإشارة إلى البدء والإعادة معاً، والتأكيد بـ "إنّ" وتقديم الجار والمجرور {عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} لإبراز عظمة القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء.
الظلال التدبرية والإشارية:
الكون كله لوحة ناطقة بالبعث؛ موت الأرض ونمات الزرع، نوم الإنسان واستيقاظه، تجدد الخلايا؛ كلها شواهد يومية صامتة تقول للغافل: كما بدأت تعود، فاستعد للحساب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
استخدام البراهين العقلية والمشاهدات الحسية في إثبات أصول العقيدة كالبعث؛ فالقرآن يربط الإيمان بالواقع المنظور.
الآثار التربوية والوجدانية:
تعظيم قدرة الله المطلقة والاطمئنان إلى كمال عدله في اليوم الآخر.
اليقين بالبعث مما يثمر مراقبة الله والاستعداد للميعاد.