البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 413) عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس والحسن وقتادة: "يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: اتلُ يا محمد ما أنزل إليك ربك من هذا القرآن، وتدبر معانيه واعمل بأحكامه، وحافظ على إقامة الصلوات المفروضات في مواقيتها بحدودها وركوعها وسجودها وخشوعها؛ {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}: أي إن الصلاة الصحيحة المقامة بخشوع وحضور قلب تحجز صاحبها وتقبحه عن ارتكاب المعاصي والفواحش والمنكرات، كما جاء عن ابن مسعود وابن عباس: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا».
وقوله: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}: قال ابن عباس ومجاهد: ذكر الله تعالى للعبد برحمته وثوابه أكبر وأجلّ من ذكر العبد لربه، وقيل: ذكر الله في الصلاة وخارجها أكبر وأعظم من كل طاعة وناهٍ عن المعاصي، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} من خير وشر وسيجازيكم عليه".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 280): "أمر الله تعالى بتلاوة القرآن وإقامة الصلاة؛ فإنهما أعظم عون على الثبات في الفتن ومواجهة الابتلاءات؛ فالصلاة تشتمل على خصلتين عظيمتين: ترك المنكرات، وتحصيل ذكر الله الأكبر الذي هو غاية العبودية".
أَكْبَرُ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والمفضل عليه محذوف ليدل على الإطلاق (أي أكبر من كل شيء).
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ: مبتدأ وخبر، وما موصول مفعول به وتصنعون صلته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
التحول الإستراتيجي الأعظم في السورة؛ فبعد أن استعرضت السورة في قسميها الأول والثاني أهوال الفتن ومصارع الأمم وضرب مثل العنكبوت، التفت الخطاب هنا إلى تزويد النبي والمؤمنين بـ "أدوات الصمود وزاد الثبات" في وجه الفتن: تلاوة الوحي، وإقامة الصلاة، واستحضار ذكر الله الأكبر؛ فالقلب المشحون بنور الصلاة والذكر لا تعصف به فتن الشبهات والشهوات.
التناسب التركيبي الداخلي:
الترتيب البديع: بدأ بالوحي وتلاوته {اتْلُ} لتغذية الفكر والوعي، ثم ثنّى بالصلاة {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} لتطهير السلوك والجوارح {تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}، ثم ارتقى إلى الغاية الروحية العظمى {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}، وختم بالرقابة الإلهية الدائمة {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
حقيقة نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر وأثرها السلوكي:
قد يشكل على بعض الناس: نرى بعض المصلين يقعون في الفواحش والمنكرات، فكيف يقول القرآن: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}؟
الجواب الذي حققه الطبري وابن تيمية وابن كثير:
الصلاة المعتبرة هنا هي الصلاة الحقيقية المقامة بأركانها وشروطها وخشوعها واستحضار عظمة المعبود؛ فهذه لابد أن تصنع في نفس صاحبها سداً منيعاً يزجره عن المعاصي؛ كما قال عليه الصلاة والسلام لمن قيل له: إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق: "إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ" (مسند أحمد: 9778 وصححه الألباني).
النهي في الآية هو من باب الاقتضاء والسببية؛ أي من شأن الصلاة وطبيعتها وحكمتها أن تنهى، فإن قصر المصلي في صلاته أو أتى بها صورة جوفاء بلا روح ضعف أثر النهي في نفسه بقدر نقص خشوعه.
التعبير بـ {أَقِمِ} دون "صلّ": للدلالة على أن المطلوب ليس مجرد حركات الجوارح، بل إقامة أركانها، وإتمام ركوعها وسجودها، وإحياء الخشوع فيها.
التأكيد بلام الابتداء في {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}: لإعلاء شأن ذكر الله والشهادة بأنه المقصد الأسمى من سائر العبادات؛ فالصلاة إنما شرعت لذكر الله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}.
الظلال التدبرية والإشارية:
الصلاة معراج الروح وغسيل الخطايا اليومي؛ يقف العبد بين يدي جبار السماوات والأرض فيستصغر كل طواغيت الدنيا، وتغسل الصلاة أدران قلبه خمس مرات في اليوم والليلة فلا يبقى من درنه شيء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تربية المحاضن الإيمانية على التمسك بالفرائض والمحافظة على الصلوات كأول وأقوى حصن من حصون الثبات في زمن التراجع والفتن.
الآثار التربوية والوجدانية:
تجويد الصلاة وإطالة الركوع والسجود ومجاهدة النفس لتحصيل الخشوع فيها.
ملازمة ذكر الله في كل الأحوال؛ ليبقى القلب حياً موصولاً بخالقه.