البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 363)مصدر غير محدد١٨/٣٦٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: أن صناديد قريش وكبراءهم قالوا لضعفاء المؤمنين وفقرائهم: ارجعوا عن دين محمد واتبعوا ديننا وآبائنا، فإن كان هناك بعث أو عقاب وحساب كما يزعم محمد فنحن نتحمل عنكم كل خطاياكم وذنوبكم ونتحمل العذاب بدلاً منكم!
فرد الله تعالى عليهم مبطلاً دعواهم وكاشفاً كذبهم: {وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ ۖ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}؛ أي لن يحملوا عنهم ذرة من العذاب يوم القيامة، بل سيفر كل إنسان من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه.
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 266)مصدر غير محدد٦/٢٦٦: "هذا من خديعة الكفار وأهل الضلال؛ يمنون الأتباع بالأمان الكاذب، فإذا جاء يوم الحساب تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
سَبِيلَنَا: السبيل هو الطريق والمسلك، والمراد به دين الشرك وملة الآباء.
وَلْنَحْمِلْ: الحمل هو نقل الثقل، وصيغة الأمر هنا مستعملة في الالتزام والضمان (أي ونحن ضامنون متكفلون بحمل خطاياكم).
خَطَايَاكُمْ: جمع خطيئة، وهي الذنب المرتكب عمداً أو قبيح الإثم.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: ماضٍ وفاعله وصلته.
لِلَّذِينَ آمَنُوا: متعلقان بقال.
اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا: أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، و"سبيلنا" مفعول به ونا مضاف إليه، والجملة مقول القول.
وَلْنَحْمِلْ: الواو عاطفة، اللام لام الأمر الجازمة، "نحملْ" مضارع مجزوم بلام الأمر والفاعل مستتر تقديره نحن.
خَطَايَاكُمْ: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة والكاف مضاف إليه.
وَمَا هُم بِحَامِلِينَ: الواو حالية، "ما" حجازية تعمل عمل ليس، "هم" اسمها، الباء زائدة للتوكيد، "حاملين" خبر ما مجرور لفظاً منصوب محلاً بالياء.
إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: إن واسمها، واللام المزحلقة، وخبرها المرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
كشف نوع جديد من فتن الدعوة: وهي فتنة "الضمانات الكاذبة والإغواء الاجتماعي"؛ فبعد فتنة الأهل وفتنة التعذيب، يعرض هنا فتنة الترويض المخادع والمساومة الماكرة؛ حيث يعرض المبطلون تحمل التبعات والذنوب لإغراء الضعفاء بالردة.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير مبدأ المسؤولية الفردية الجنائية:
تؤسس الآية للأصل العظيم في الشريعة الإسلامية: "استقلال المسؤولية والجزاء الفردي"؛ فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يمكن لأحد في المحكمة الإلهية أن يدفع كفالة عن غيره أو يتحمل عنه سيئاته؛ فكل نفس بما كسبت رهينة، وهذا يبطل كل خرافات الفداء أو التوكيل في الذنوب التي تروج لها الوثنيات والأديان المحرفة.
صيغة الأمر في {وَلْنَحْمِلْ}: إخراج الخبر مخرج الأمر للدلالة على قوة التعهد والالتزام الذاتي، وكأنهم يقطعون على أنفسهم وثيقة تأمين!
استغراق النفي المزدوج بـ "من": في {مِنْ خَطَايَاهُم} و{مِّن شَيْءٍ}؛ لنفي حمل أي قدر مهما كان حقيراً أو ضئيلاً كذرة غبار من ذنوبهم.
التوكيد في {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}: بإنّ واللام المزحلقة وصيغة الجمع؛ لبيان أن هذا الوعد كذب محصن مقصود للإغواء.
الظلال التدبرية والإشارية:
احذر من يبيعك الأوهام في أمر دينك؛ كم من مضل في كل عصر يقول للأتباع: "افعلوا هذا المنكر ووزره في رقبتي"، ويوم القيامة يفر المضل من التابع ويلعن بعضهم بعضاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تحذير الأتباع والشباب من عروض الاستدراج الناعمة التي يقدمها المبطلون لتفريغهم من عقائدهم ومبادئهم تحت غطاء التكفل بالحماية والدعم.