البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 389) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد عبدنا لوطاً حين قال لقومه من أهل سدوم منكراً عليهم جريمتهم الشنعاء: إنكم لتأتون الخصلة البالغة أقصى درجات القبح والشناعة (وهي إتيان الذكور في الأدبار)، لم يسبقكم إلى اقترافها ولا عرفها أحد من بني آدم ولا من سائر العالمين قبلكم، فأنتم أول من سنّ هذه الفاحشة القبيحة في الأرض".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 273): "كان أهل سدوم أول من ابتدع هذه الفاحشة التي لم يسمع بها في بني آدم قبلهم؛ فكانوا يأتون الذكور ويدعون ما خلق الله لهم من أزواجهم، فأنكر عليهم لوط غاية الإنكار محذراً لهم من نقمة الله وعذابه".
ويقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج 13، ص 341) أن "الفاحشة" إذا عُرّفت بأل انصرفت إلى أقبح المعاصي، وفي قوم لوط جمعت قبح الذنب مع شؤم الابتداع والسبق فيه.
مِنْ أَحَدٍ: "من" حرف جر زائد لتأكيد استغراق النفي، "أحد" فاعل سبقكم مجرور لفظاً مرفوع محلاً، وجملة النفي في محل نصب حال من الفاحشة.
مِّنَ الْعَالَمِينَ: جار ومجرور نعت لأحد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الانتقال من فتنة الشرك والاستبداد (قوم إبراهيم ونمرود) إلى فتنة "الشذوذ وانتكاس الفطرة الأخلاقية" (قوم لوط)؛ لبيان أن الابتلاء في مسيرة الأنبياء يتنوع بين صراع العقيدة وصراع الأخلاق والقيم الفطرية، وأن الرسل يقفون سداً منيعاً لحماية طهارة الإنسانية.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد الجملة بـ "إنّ" واللام المزحلقة {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ} لتقريعهم ومواجهتهم بجريمتهم دون مواربة، ثم نفي السبق بـ "من" الاستغراقية {مِنْ أَحَدٍ} لتعظيم قبح جنايتهم بأنهم فتحوا باب شر مستطير لم تعرفه البشرية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال دعوى جبلية الشذوذ الفطري:
تقرر الآية حقيقة قرآنية قطعية تبطل دعاية دعاة الشذوذ المعاصرين الذين يزعمون أن هذه الممارسة جبلّة فطرية جينية؛ فقوله تعالى الصريح: {مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ} يثبت أن البشرية عاشت آلاف السنين منذ آدم عليه السلام على الفطرة السوية الطاهرة في التزاوج بين الذكر والأنثى، وأن هذا الفعل كان انحرافاً وسلوكاً مبتدعاً طارئاً اخترعه أهل سدوم، وليس ميلاً فطرياً ولا طبيعة أصيلة.
تعريف {الْفَاحِشَةَ} بأل الجنسية العهدية: للدلالة على استغراقها لأبشع معاني القبح؛ حتى كأنها هي الفاحشة المتفردة التي لا تدانيها فاحشة.
دخول "من" الاستغراقية {مِنْ أَحَدٍ}: لنفي وجود أي سابقة تاريخية لهذا الانحراف في بني آدم والخلائق.
الظلال التدبرية والإشارية:
أخطر الجرائم هي الجريمة التي تكسر حواجز الحياء الفطري وتسن سنة سيئة في الأرض؛ ففاعل البدعة المنكرة يحمل وزر ابتكارها ووزر من يقلده فيها إلى يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الصدع بالحق ومواجهة الانحرافات الأخلاقية بشجاعة ووضوح؛ فالداعية لا يداهن المجتمع المنحرف ولا يسكت عن المنكر بدعوى الحريات الشخصية الزائفة.