البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 394)مصدر غير محدد١٨/٣٩٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "لما أذن الله بهلاك قوم لوط، بعث رسله من الملائكة الكرام (جبريل وميكائيل وإسرافيل)، فمروا أولاً على خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام يبشرونه بالولد الصالح إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فلما استقروا عنده أخبروه بمهمتهم الكبرى: {قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ} يعنون سدوم قرية قوم لوط، {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} أي مستحقين للهلاك لتماديهم في الشرك والفواحش والظلم".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 274)مصدر غير محدد٦/٢٧٤: "قرن الله بين بشارة إبراهيم بالولد وإخباره بهلاك قوم لوط؛ لتطمئن نفس الخليل وتفرح بالبشارة وبنصرة الله للحق وإهلاك المفسدين".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 343)مصدر غير محدد١٣/٣٤٣ أن تسمية سدوم بـ {الْقَرْيَةِ} للإشارة إلى مجتمعهم المتكتل على الفساد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
إِبْرَاهِيمَ: مفعول به منصوب بالفتحة ومنع من الصرف للعلمية والعجمة.
بِالْبُشْرَىٰ: متعلقان بجاءت.
قَالُوا: ماضٍ وفاعله، وجملة قالوا جواب لما لا محل لها من الإعراب.
إِنَّا مُهْلِكُو: إن واسمها، "مهلكو" خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم وحذفت النون للإضافة.
أَهْلِ: مضاف إليه مجرور.
هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ: اسم إشارة مضاف إليه، والقرية بدل مجرور.
إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ: تعليل لإهلاكهم، إن واسمها، وجملة كانوا وخبرها في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الربط النظمي البديع بين قصة إبراهيم وقصة لوط؛ فلوط كان تلميذ إبراهيم ومهاجراً معه، والملائكة نزلت ببلاد الشام فمرت بإبراهيم أولاً لتجمع له بين كرامتين: بشرى النبوة في ولده، وبشرى نصرة ابن أخيه لوط وإهلاك أعدائه الفاسقين.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد الإهلاك بصيغة اسم الفاعل المضاف {إِنَّا مُهْلِكُو} للدلالة على ثبوت الأمر وقربه ونفاذ القضاء المبرم، ثم تعليله بالظلم الراسخ {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عدالة الاستئصال وتعليله بالظلم:
تبين الآية أن عذاب الاستئصال لا ينزل على أمة اعتباطاً ولا لمجرد مخالفة جزئية، بل ينزل حين يتأصل فيهم الظلم ويصبح سمة ملازمة لهم {كَانُوا ظَالِمِينَ}؛ فالظلم هنا شمل الشرك، والعدوان على الفطرة، وقطع الطرق، والاعتداء على المستضعفين، وإفساد الأرض، فكان إهلاكهم عين العدل والحكمة.
المقابلة الإلهية بين الرحمة والعذاب: نزول الملائكة يحمل في طياته أمرين متقابلين: الرحمة المطلقة والبشرى للمؤمنين (إبراهيم)، والعذاب الصارم والاستئصال للكافرين (أهل سدوم).
اسم الإشارة {هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ}: للتحقير والإشعار بحضورها وهوانها على الله عند إرادة تدميرها.
الظلال التدبرية والإشارية:
تدبير الله لأوليائه؛ الملائكة تسير في مهمة عذاب جبارة، ولا تنسى أن تمر على ولي الله في طريقها لتبث في قلبه السرور والبشارة؛ فأولياء الله محفوفون بألطاف الرعاية في كل حين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
التواصل والترابط بين أهل الحق وقادته؛ فالبشارة بالخير والنصرة تعم المؤمنين جميعاً وتفرح قلوبهم.
الآثار التربوية والوجدانية:
استبشار القلب بوعود الله وإنجازه لفضله.
الخوف والوجل من صفة الظلم؛ فإنها مجلبة لخراب الديار ومحق الأمم.