البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 443)مصدر غير محدد١٨/٤٤٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "اللام في قوله: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ} هي لام الصيرورة والعاقبة، أو لام التهديد والوعيد؛ أي ليكون مآل صنيعهم وخاتمة أمرهم جحود نعمة الله في إنجائهم من الغرق، {وَلِيَتَمَتَّعُوا}: وليتمتعوا في دنياهم الفانية قليلاً بملذاتهم وشهواتهم العاجلة، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}: تهديد زاجر ووعيد شديد؛ أي فسوف يعلمون غبّ صنيعهم ووبال كفرهم وجحودهم حين يعاينون العذاب وينزل بهم بأس الله في الدنيا ويوم القيامة".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 290)مصدر غير محدد٦/٢٩٠: "هذا تهديد وتوعد أكيد، كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}".
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وشعبة ورويس {وَلْيَتَمَتَّعُوا} بإسكان اللام على صيغة الأمر التهديدي، وقرأ الباقون {وَلِيَتَمَتَّعُوا} بكسر اللام معطوفة على ليكفروا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
لِيَكْفُرُوا: اللام لام العاقبة والتعليل المجازي، أو لام الأمر المتضمن التهديد والوعيد، والكفر هنا جحود النعمة وإنكار التوحيد.
وَلِيَتَمَتَّعُوا: التمتع هو الانتفاع بالمتاع الحاضر الزائل دون اكتراث بالعاقبة.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
لِيَكْفُرُوا: اللام لام العاقبة أو التعليل، ومضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
بِمَا آتَيْنَاهُمْ: الباء حرف جر، "ما" اسم موصول متعلقان بيكفروا، وآتيناهم صلة الموصول.
وَلِيَتَمَتَّعُوا: معطوف على ليكفروا، أو لام الأمر الجازمة ومضارع مجزوم على قراءة الإسكان.
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: الفاء استئنافية للتعقيب والتهديد، "سوف" حرف تسويف واستقبال، "يعلمون" مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، ومفعول يعلمون محذوف لتهويل ما سيعلمونه من العذاب والنكال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
إسدال الستار والوعيد الصارم بعد مشهد الغدر ونقض العهد في الآية السابقة؛ فبعد أن نجوا من الغرق فأشركوا، أطلق القرآن هذا التهديد المزلزل: كأن الغاية من نجاتهم صارت الجحود والاستمتاع البهيمي المؤقت، فسوف يعلمون حقيقة الخسران إذا عادوا إلى الغرق الأبدي في جهنم.
التناسب التركيبي الداخلي:
الاقتران بين كفران النعمة والتمتع الزائل، ثم قطع الاسترسال بالفاء التهديدية وحرف الاستقبال وتجريد العلم {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة لام العاقبة والأمر التهديدي:
قد يشكل: كيف يأمرهم الله بالكفر في قوله (على قراءة الإسكان) {وَلْيَتَمَتَّعُوا} أو يجعل العلة الكفر؟
الجواب البلاغي المحكم:
اللام ليست للأمر التشريعي؛ فالله لا يأمر بالفحشاء والكفر، بل هي "صيغة أمر خرجت مخرج التهديد والوعيد الشديد"؛ كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، وقوله: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}.
أو هي "لام العاقبة والصيرورة"؛ أي أن نجاتهم التي كانت تقتضي الشكر، جعلوا عاقبتها الكفر والتمتع العاجل، فاستحقوا الخزي.
الأمر التهديدي: وهو أبلغ في إلقاء الرعب في قلوب الطغاة من مجرد النهي؛ لأنه إيذان بانسداد باب النصح وتركهم لمصيرهم الأسود.
حذف مفعول {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}: للتهويل والتعظيم؛ ليذهب الفكر كل مذهب في تقدير ألوان العذاب التي سيعلمونها عياناً.
الظلال التدبرية والإشارية:
التمتع بالدنيا مع الكفران بالمنعم هو قمة الاستدراج؛ يمهل الله العبد ويمتعه بالصحة والمال فيظن أنه في مأمن، فإذا جاءت "سوف" انقضت كل لذة كأنها حلم، وحلت الحسرة الأبدية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
إنذار المغترين بزخارف الدنيا ونعمها؛ فالداعية ينبه الغافلين إلى أن النعم التي لا تقابل بالشكر تتحول إلى نقم مستدرجة.
الآثار التربوية والوجدانية:
شكر نعم الله وإسناد الفضل إليه في كل عافية ونجاة.
الخوف والوجل من كلمة التهديد الإلهية: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.