البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 387) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: ولما فارق إبراهيم قومه وهاجر إلى ربه متجرداً له، عوضه الله خيراً مما ترك؛ فوهب له في كبر سنه إسحاق ولداً، ويعقوب نافلة وولداً لإسحاق تقر به عينه، وجعلنا في نسله وعقبه شرف النبوة وإنزال الكتب؛ فما بعث الله بعد إبراهيم نبياً إلا من صلبه وذريته من أنبياء بني إسرائيل وإسماعيل ومحمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وآتيناه ثوابه وجزاءه في الدنيا بالثناء الحسن في كل ملة، والولد الصالح، والذكر الجميل، والرزق الطيب، وإنه في الآخرة لمن الصالحين أصحاب المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الجنة".
ويقرر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 273): "هذا من أعظم ما يجازى به الصابرون المهاجرون في سبيل الله؛ فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فترك وطنه وعشيرته فجعل الله النبوة والكتاب محصورين في ذريته إلى يوم القيامة، ووهب له الأجر العاجل مقروناً بنعيم الآخرة".
ويؤكد القرطبي (ج 13، ص 340)مصدر غير محدد١٣/٣٤٠ أن إجماع المفسرين قائم على أن كل كتاب نزل من السماء بعد إبراهيم (التوراة، الإنجيل، الزبور، الفرقان) إنما نزل على نبي من ذريته؛ فكان أباً للأنبياء بحق.
إِسْحَاقَ: مفعول به منصوب ومنع من الصرف للعلمية والعجمة.
وَيَعْقُوبَ: معطوف منصوب ومنع من الصرف للعلمية والعجمة.
وَجَعَلْنَا: معطوف، ماضٍ وفاعله.
فِي ذُرِّيَّتِهِ: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ لجعل مقدم، والهاء مضاف إليه.
النُّبُوَّةَ: مفعول به أول مؤخر منصوب بالفتحة.
وَالْكِتَابَ: معطوف على النبوة منصوب.
وَآتَيْنَاهُ: معطوف، ماضٍ وفاعله ومفعوله الأول الهاء.
أَجْرَهُ: مفعول به ثانٍ منصوب والهاء مضاف إليه.
فِي الدُّنْيَا: متعلقان بمحذوف حال من أجره.
وَإِنَّهُ: الواو حالية أو عاطفة، إن واسمها.
فِي الْآخِرَةِ: متعلقان بمحذوف حال.
لَمِنَ الصَّالِحِينَ: اللام المزحلقة، "من الصالحين" جار ومجرور شبه جملة في محل رفع خبر إن، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تتويج قصة إبراهيم عليه السلام وختام الجزء الأول من السورة بأعظم مشهد من مشاهد الإكرام والعوض الإلهي؛ فبعد استعراض الفتن الهائلة التي مر بها الخليل (فتنة الشرك، فتنة النار، فتنة فراق الأهل، فتنة الهجرة والغربة)، أظهرت هذه الآية كيف انقلب ذلك الابتلاء إلى سيادة مطلقة، وشرف كوني لا يبلغه مخلوق، بجعل النبوة والكتاب والذكر الجميل في ذريته إلى أبد الآبدين.
التناسب التركيبي الداخلي:
تتابع أفعال الإنعام الإلهي المعطوفة بنون العظمة: {وَوَهَبْنَا... وَجَعَلْنَا... وَآتَيْنَاهُ}، والجمع بين نعيم الدنيا المعجل {أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} ونعيم الآخرة الأبدي {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}؛ ليعلم المبتلون أن التضحية في سبيل الله لا تضيع عند أوفى الأوفياء سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق العوض الإلهي والرد على المستعجلين:
تبرهن الآية على قانون رباني مطرد: "ما ترك عبد شيئاً لله إلا أبدله الله خيراً منه في دينه ودنياه". ترك إبراهيم أباه وقومه ودياره وهو وحيد طريد ليس له ولد، فأكرمه الله بأن جعل أمم الأرض قاطبة تنتسب إليه وتثني عليه، وجعل أعظم رجال التاريخ وقادته وأنبياءه من صلبه، فهل هناك ربح وتجارة أعظم من هذه التجارة مع الله؟
التعبير بالهبة في {وَوَهَبْنَا}: لإظهار أن الولد الصالح والذرية المباركة عطاء رباني محض تفضل به على خليله بعد يأس الطبيعة وكبر السن.
الجعل والتشريف في {فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}: تقديم الجار والمجرور للاهتمام بهذا النسل المبارك وإبراز شرف هذه السلالة الموصولة برب العالمين.
التأكيد في {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}: بإنّ واللام المزحلقة وشبه الجملة؛ لتأكيد أن كرامة الدنيا موصولة بكرامة الآخرة دون انقطاع.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين تهجر وتضحي وأنت لا ترى أمامك إلا صحراء قاحلة ووحشة الغربة، تذكر خطى إبراهيم وهو يسير إلى الشام ومكة؛ فخلف تلك الرمال وتلك الغربة كانت تختبئ النبوة، والكتاب، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وجنات الخلد؛ فالصبر في الغربة يصنع المجد الأبدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
العناية بتربية الأسرة والذرية على التوحيد لضمان استمرار حمل الرسالة؛ فالداعية لا ينشغل بالحاضر وحده بل يستشرف المستقبل ويعمل على بناء جيل يحمل الراية من بعده.
الآثار التربوية والوجدانية:
حب خليل الرحمن إبراهيم وإكبار مقامه والائتساء بسيرته العطرة في التضحية والوفاء.
الطمأنينة الكاملة لوعد الله بأن كل بذل في سبيله يعقبه عز عاجل وثواب آجل.