البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 435)مصدر غير محدد١٨/٤٣٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "لما أمر الله المسلمين بالهجرة من مكة إلى المدينة، قال بعض المستضعفين: كيف نهاجر ونترك ديارنا وأموالنا وأسواقنا بمكة وليس لنا بالمدينة مال ولا عقار، فمن يطعمنا ويرزقنا هناك؟ فأنزل الله تعالى تسلية لهم ودفعاً لوساوس الفقر: {وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ}: أي وكم من دابة تدب على وجه الأرض من الطير والوحش والحشرات؛ {لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا}: أي لا تدخر قوتاً لغد ولا تطيق حمله في أسفارها لعجزها وضعفها، {اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ}: الله يرزق تلك الدواب الضعيفة في جحورها وأوكارها يوماً بيوم، ويرزقكم أنتم أينما كنتم في مكة أو في دار الهجرة؛ {وَهُوَ السَّمِيعُ} لأقوالكم ودعائكم، {الْعَلِيمُ} بحاجاتكم وفاقتكم ومصالحكم".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 288): "أي لا تدخر شيئاً لغد، بل تصبح خماصاً وتروح بطاناً، والله سبحانه يقيض لها رزقها على ضعفها ويسوقه إليها، فالذي يرزق هذه الدواب الضعيفة العاجزة هو الذي يرزقكم أيها المهاجرون فتوكلوا عليه".
*تفسيره* (ج 6، ص 288)مصدر غير محدد٦/٢٨٨
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
وَكَأَيِّن: كلمة مركبة تفيد التكثير والتعظيم والتفخيم، وتكتب بالنون أو التنوين، وأصلها كاف التشبيه و"أيّ" المنونة الاستفهامية.
دَابَّةٍ: كل ما يدب ويمشي ويتحرك على وجه الأرض من الحيوان والإنسان والحشرات.
لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا: لا تطيق جمعه وادخاره ورفعه معها، بل هي عاجزة ضعيفة.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَكَأَيِّن: الواو استئنافية، "كأين" اسم كناية عن عدد مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
مِّن دَابَّةٍ: "من" بيانية مجرورة بها دابة تمييز لكأين.
لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا: مضارع وفاعله مستتر ومفعوله، والجملة في محل جر نعت لدابة.
اللَّهُ يَرْزُقُهَا: لفظ الجلالة مبتدأ ثانٍ وجملة يرزقها خبره، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر "كأين".
وَإِيَّاكُمْ: الواو عاطفة، "إياكم" ضمير منفصل معطوف على الهاء في يرزقها في محل نصب مفعول به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
العلاج الإيماني لآخر وأخطر عقبة نفسية تقف في طريق الهجرة: وهي "عقبة الرزق والخوف من الفقر"؛ فبعد أن أزال الخوف من الموت بالآية (57)، أزال هنا الخوف من الفقر والمجاعة بهذا المشهد الكوني الحسي: انظروا إلى ملايين الدواب والطيور في البراري والبحار؛ من يرزقها وليس لها خزائن ولا حسابات بنكية ولا قدرة على الادخار؟ إنه الله، فالذي رزق النملة والطير سيرزقكم أنتم حتماً إذا هاجرتم لإقامة دينه.
التناسب التركيبي الداخلي:
البدء بالتكثير {وَكَأَيِّن} لاستعراض عالم الكائنات الحية الهائل، وتقييدها بـ {لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} لبيان فقرها وضعفها، ثم إسناد الرزق إلى الذات الإلهية {اللَّهُ يَرْزُقُهَا}، وعطف البشر عليها {وَإِيَّاكُمْ} لكسر غرور الإنسان واعتماده على حيلته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق التوكل مع بذل السبب في باب الأرزاق:
ترسخ الآية التوازن السني في طلب الرزق؛ فالحديث النبوي الشريف في سنن الترمذي (حديث: 2344) يفسر هذا المشهد: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»؛ فالطير لم تجلس في أعشاشها متواكلة، بل "تغدو" وتسعى وتبذل وسعها، وقلبها معلق بالله الرزاق؛ فالمهاجر يخرج ويبذل جهده وهو على يقين بأن رزقه مكتوب ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.
تقديم رزق الدابة على الإنسان {يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ}: لتذكير الإنسان بأن الله تكفل برزق المخلوق الأضعف الذي لا حيلة له ولا عقل، فكيف يضيع العبد المؤمن المكلف المهاجر في سبيله؟
الظلال التدبرية والإشارية:
حين يعاين المؤمن الطير تغرد في الصباح ليس في حوزتها حبة قمح واحدة وتبيت شبعى برزق الله، يسخر من قلقه على المستقبل؛ الرزق مقسوم مكفول، فلا تعصِ الرزاق من أجل الرزق، وهاجر في سبيله تأتك الدنيا راغمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تطهير قلوب الدعاة من الخوف على الرزق والوظيفة؛ فالأرزاق بيد الله لا بيد الطواغيت ولا في قيود الأوطان.
الآثار التربوية والوجدانية:
اليقين التام بكفاية الرزاق ذي القوة المتين والاعتماد عليه.
إراحة النفس من الهموم المستقبلية والتوكل الصادق مع بذل الأسباب المشروعة.