البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري في تفسيره (ج 18، ص 411) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "عقلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل"، وكان بعض السلف إذا قرأ مثلاً في القرآن فلم يفهمه بكى وقال: لست من العالمين؛ لأن الله تعالى يقول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}.
وينقل الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: وهذه الأمثال التي نضربها في كتابنا، ونشبه بها الأشياء بأشباهها كضرب مثل العنكبوت والذباب، نبينها للناس جميعاً هداية وبياناً، وما يفقهها ويتدبرها ويعقل مغازيها وأسرارها إلا أهل العلم بالله وآياته وبصائر دينه".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 280): "هذا ثناء عظيم على أهل العلم الراسخين؛ بأنهم هم الذين يفهمون أمثال القرآن، ويدركون مراميها، ويستنبطون منها حقائق الإيمان والتوحيد، بخلاف الجهال الذين يمرون عليها ولا يفقهون منها إلا ظاهر الألفاظ".
*تفسيره* (ج 18، ص 411)مصدر غير محدد١٨/٤١١*تفسيره* (ج 6، ص 280)مصدر غير محدد٦/٢٨٠
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
الْأَمْثَالُ: جمع مَثَل، وهو القول السائر أو القصة المصورة الشبيهة بالمضروب له لتقريب المعقول من المحسوس.
الْعَالِمُونَ: فاعل يعقلها مؤخر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
حماية الأمثال القرآنية من سخرية المنافقين والكفار؛ فالكفار لما سمعوا ضرب المثل بالعنكبوت والذباب قالوا ساخرين: ما لله ولهذه الحشرات الحقيرة؟ فجاءت هذه الآية لتضع الميزان المعرفي الصارم: ضرب الأمثال سنة إلهية راقية لهداية الناس كافة، ولكن إدراك عظمتها وعمقها محجوز حصراً لأهل العلم والعقل الرفيع، أما المستهزئ فهو جاهل محجوب.
التناسب التركيبي الداخلي:
استعمال اسم الإشارة للبعيد {تِلْكَ} لتعظيم شأن الأمثال القرآنية، ثم أسلوب القصر والحصر بـ {وَمَا... إِلَّا} لقصر الفهم الصحيح والتفكر على زمرة {الْعَالِمُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد استشكال ضرب المثل بالحشرات والحيوانات الضعيفة:
القرآن كتاب هداية وبيان؛ والغرض من ضرب المثل ليس التفاخر بحجم المخلوق، بل إيضاح المعنى وتجسيد الحقيقة الغائبة؛ فالتمثيل بالشيء الصغير (العنكبوت، الذباب، البعوضة) يبرز عجز المشركين الذين عجزوا أمام حشرة ضعيفة؛ فإذا كانت آلهتهم أوهن من بيت العنكبوت فكيف يرجون منها النصرة؟ والجاهل يقف عند صورة الحشرة فيسخر، والعالم ينفذ إلى جوهر العجز البشري فيخبت ويؤمن.
القصر والحصر: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}؛ للدلالة على أن من لم يفهم أمثال القرآن ولم يتعظ بها فليس بمعدود في أهل العلم وإن حمل أعلى الشهادات الدنيوية.
إسناد الضرب إلى نون العظمة {نَضْرِبُهَا}: لإضفاء المهابة والقدسية البالغة على كل مثل وارد في التنزيل.
الظلال التدبرية والإشارية:
كان السلف يزنون علمهم بفهم أمثال القرآن؛ فمن مر بمثل قرآني فلم يجد له في قلبه أثراً ولا هداية حزن على نفسه واتهم بصيرته؛ فالأمثال مفاتيح القلوب ونور العقول.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
استعمال أسلوب ضرب الأمثال وتشبيه المعقول بالمحسوس في التعليم والدعوة؛ فهو أسلوب نبوي قرآني يرسخ المفاهيم ويحرك العواطف.
الآثار التربوية والوجدانية:
الحرص على طلب العلم الشرعي النافع الذي يفتح أقفال القرآن وأمثاله.
تعظيم كلام الله وعدم الاستهانة بأي مثل ضربه سبحانه في محكم تنزيله.