البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 365)مصدر غير محدد١٨/٣٦٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ}: أي ليحملن هؤلاء الكفار والمضلون أوزار أنفسهم وذنوبهم التي عملوها، {وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}: أي ويحملون أوزاراً وذنوباً أخرى فوق ذنوبهم وهي ذنوب من أضلوهم وصرفوهم عن الحق من غير أن ينقص من أوزار التابعين شيء، كقوله تعالى في سورة النحل: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (حديث: 2674): «وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»".
{وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: سؤال توبيخ وتقريع عما كانوا يختلقونه من الكذب والضمانات الباطلة ومزاعم الشرك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
أَثْقَالَهُمْ: جمع ثقل، وهو الحِمل الباهظ الذي يثقل حمله، واستعمل مجازاً في الذنوب والآثام لثقلها في الميزان وعلى ظهور أصحابها.
يَفْتَرُونَ: الافتراء هو الكذب المتعمد مع اختلاقه وتزويره.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَلَيَحْمِلُنَّ: الواو عاطفة، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، "يحملنّ" مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة فاعل، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له.
أَثْقَالَهُمْ: مفعول به منصوب بالفتحة والهاء مضاف إليه.
وَأَثْقَالًا: معطوف منصوب.
مَّعَ أَثْقَالِهِمْ: "مع" ظرف مكان أو مصاحبة منصوب متعلق بمحذوف نعت لأثقالاً، وأثقالهم مضاف إليه.
وَلَيُسْأَلُنَّ: معطوفة على ليحملن وإعرابها نظيرها، وهي مبنية للمجهول، والواو المحذوفة نائب فاعل.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ظرف زمان منصوب.
عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ: متعلقان بيسألن، وجملة كانوا صلته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
بيان المصير البشع للدعاة إلى الضلال؛ فبعد أن نفى في الآية السابقة أن يحملوا شيئاً عن الأتباع ينقذهم به من العذاب، أثبت هنا أنهم سيحملون وزر إضلال أولئك الأتباع زيادة في مضاعفة عذابهم ونكالهم؛ فما نفاه كان نفي التخفيف عن التابعين، وما أثبته كان إثبات مضاعفة الجرم على المتبوعين.
التناسب التركيبي الداخلي:
تكرار مادة الأثقال ثلاث مرات: {أَثْقَالَهُمْ... وَأَثْقَالًا... مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} لترسيخ مشهد التراكم المرعب للآثام والديون الأخروية التي تنوء بها كواهل المضلين، وختامها بالسؤال التقريعي الفاضح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة التعارض مع قاعدة {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}:
قد يظن قاصر النظر تعارضاً بين قوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} وقوله هنا: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}.
الجواب الذي حققه الطبري والقرطبي وابن كثير:
أن المضلين لم يحملوا ذنوب التابعين تبرعاً ولا ظلماً، بل حملوا "وزر الإضلال والدعوة إلى الباطل والتغرير"، فالإضلال فعل مباشر للمضل، فكان جزاؤه مضاعفاً لأنه تسبب في هلاك غيره؛ فالوزر الذي يحمله المضل هو وزر عمله الذاتي في الصد والإغواء، بينما التابع يحمل وزر اتباعه وتقليده الأعمى، فلا تعارض ألبتة.
الظلال التدبرية والإشارية:
عقوبة الداعية إلى الضلال أشنع عقوبة؛ فالإنسان قد يطيق وزر ذنبه الفردي، ولكن كيف يطيق وزر آلاف أو ملايين البشر الذين فتنهم بكتاباته، أو منشوراته، أو قوانينه، أو إعلامه الفاسد؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تحذير صناع الرأي والمؤثرين والدعاة من نشر البدع والشبهات والمفاهيم المنحرفة؛ فكل من سن سنة سيئة فله نصيب من عذاب العاملين بها إلى يوم القيامة.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخوف الشديد من أن يكون العبد سبباً في ضلال مسلم أو تزهيده في طاعة.
الاجتهاد في الدعوة إلى الهدى لنيل أجور التابعين الصالحين كما يحمل المضل أوزار المنحرفين.