البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 431) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى مسلياً لعباده المؤمنين ومحرضاً لهم على الهجرة في سبيله: لا يحملنكم الخوف من الموت على الإقامة في دار الشرك والذل، ولا تعتذروا بأنكم إن هاجرتم خشيتم الموت في الغربة؛ فإن كل نفس منفوسة حية من الخلائق ذائقة الموت لا محالة ولا بد لها من مفارقة الدنيا، في بلدكم متم أو في دار هجرتكم، {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}: أي ثم مصيركم ومنقلبكم بعد الموت إلينا وحدنا للحساب والجزاء، فالموت في طاعة الله وهجرته خير وأشرف من الموت في دار الفتنة والمعصية".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 287): "أي أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله فهو خير لكم؛ فإن الموت لا بد منه، والرجوع إلى الله حتمي، فالسعيد من قدم على ربه وهو عنه راضٍ".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 355)مصدر غير محدد١٣/٣٥٥ أن ذكر الموت هنا جاء بعد الأمر بالهجرة في الآية السابقة {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} لدفع أكبر هاجس يمنع الإنسان من الهجرة وهو الخوف من انقطاع الأجل أو الموت بعيداً عن الأهل والوطن.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
ذَائِقَةُ: الذوق إدراك الطعم، واستعمل هنا لتحقيق المباشرة الحسية لمرارة سكرة الموت وانفصال الروح عن الجسد.
الْمَوْتِ: مفارقة الروح للجسد وزوال الحياة الدنيا.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
كُلُّ نَفْسٍ: "كل" مبتدأ مرفوع بالضمة، ونفس مضاف إليه مجرور.
ذَائِقَةُ الْمَوْتِ: "ذائقة" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو اسم فاعل مضاف لمفعوله، و"الموت" مضاف إليه مجرور.
ثُمَّ: حرف عطف وتراخٍ دال على الترتيب الرتبي والزماني بين الموت والبعث.
إِلَيْنَا: جار ومجرور متعلقان بالفعل "ترجعون" المؤخر لإفادة القصر والحصر.
تُرْجَعُونَ: مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، وقرأ أبو بكر عن عاصم {يُرْجَعُونَ} بالياء على الغيبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
العلاج النفسي الحاسم لعوائق الهجرة؛ فحين أمرهم بالهجرة في الآية (56)، ثارت في النفوس هواجس الضعف البشري: نخاف أن نموت في السفر، أو تتقطع بنا السبل، فنبههم القرآن إلى حقيقة كونية حتمية: الموت قادم لكل حي لا محالة، سواء أقمت في قصرك وبلدك أم هاجرت في قفار الأرض، فمادام الموت لا مفر منه فليكن الموت في سبيل الله وإقامة دينه.
التناسب التركيبي الداخلي:
تصدير الآية بـ {كُلُّ} الاستغراقية لتعميم الحكم على سائر الأحياء، ثم تأكيد الحتمية بالإضافة {ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، وختامها بقصر المرجع إليه سبحانه {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحطيم صنم الخوف من الموت وتأثيره في الثبات:
ترد الآية بالبرهان العقلي البديهي على الجبناء الذين يبررون التراجع عن الحق والتنازل عن الدين بالخوف على حياتهم؛ فالأجل محتوم ومكتوب، ولا يمكن لحذر أن يدفع قدراً، والإنسان الذي يفر من الهجرة مخافة الموت سيموت حتماً في فراشه؛ فالعاقل من وظف الحتمية لصالحه ومات شريفاً مهاجراً في سبيل ربه.
الاستعارة في {ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}: تصوير الموت كشراب مر يتجرعه كل كائن حي لا ينجو من تذوقه أحد.
التقديم في {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}: قصر المصير والحساب على الله وحده؛ لتوجيه الخوف والرجاء إليه سبحانه دون سواه.
الظلال التدبرية والإشارية:
الموت ليس نهاية المطاف بل هو بداية الرجوع؛ ينقطع التكليف في دار الفناء ويبدأ الحساب في دار البقاء؛ فما أقصر أيام الدنيا، وما أعظم لقاء الله لمن استعد له بالهجرة والعمل الصالح!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
نزع الخوف من الموت من قلوب الدعاة والمجاهدين؛ فالأمة التي تستهين بالموت في سبيل مبادئها توهب لها الحياة الكريمة والتمكين.
الآثار التربوية والوجدانية:
الإكثار من ذكر هاذم اللذات والاستعداد لسكرات الموت.
الشجاعة والجرأة في الصدع بالحق؛ إذ الآجال بيد الله وحده.