البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 403)مصدر غير محدد١٨/٤٠٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى: واذكر يا محمد كذلك إهلاكنا لعاد وثمود؛ وقد تبين لكم يا أهل مكة من خراب منازلهم ومساكنهم الخالية بالأحقاف والحجر ما يدل على صدق ما أخبرناكم به؛ إذ تمرون عليها في أسفاركم إلى اليمن والشام وتشاهدون آثار دمارهم. {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}: حسن لهم إبليس الشرك وعبادة الأوثان والتكذيب بالرسل حتى رأوا القبيح حسناً، {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ}: فصرفهم عن طريق الهدى والإيمان، {وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}: قال ابن عباس وقتادة: كانوا ذوي عقول وأبصار وبصائر في أمور دنياهم وصناعتهم وبناء بيوتهم ونحت الجبال، وقيل: كانوا قد تبين لهم الحق بحجج الأنبياء فعاندوا على علم وبصيرة".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 277)مصدر غير محدد٦/٢٧٧: "أي كانت لهم عقول وأفهام، ولكن لم تنفعهم لما جاءهم أمر الله؛ لأنهم استعملوا ذكاءهم في عمارة دنياهم وضيعوا آخرتهم، وزين لهم الشيطان كفرهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
مَسَاكِنِهِمْ: جمع مسكن، وهي البيوت والقصور التي كانوا يعمرونها وينحتونها في الصخور.
مُسْتَبْصِرِينَ: من الاستبصار، وهو امتلاك البصيرة والفطنة والذكاء؛ أو استبانة الحق ووضوحه لهم.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَعَادًا وَثَمُودَ: الواو عاطفة، منصوبان بفعل محذوف تقديره "وأهلكنا عاداً وثمود"، وثمود منع من الصرف للعلمية والتأنيث أو نون على إرادة الحي.
وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم: الواو حالية، قد حرف تحقيق، تبين ماضٍ وفاعله مستتر يعود على إهلاكهم أو ما حل بهم، ولكم متعلقان بتبين.
وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ: الواو حالية، كان واسمها وخبرها منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الاستدلال بالحضارات المادية الجبارة؛ فعاد أصحاب القوة والبطش وعماد إرم، وثمود أصحاب التقنية الهندسية ونحت الجبال؛ فبين القرآن أن القوة والذكاء الدنيوي لا يعصمان من الهلاك إذا انحرفت البصيرة وسيطر الشيطان على الوعي.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة الصادمة بين امتلاكهم لأدوات المعرفة والذكاء {وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}، وبين وقوعهم في فخ التزيين الشيطاني والصد عن السبيل {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ... فَصَدَّهُمْ}؛ لإبراز التناقض المأساوي للعقل الإنساني المعزول عن هداية الوحي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق معنى {وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} وإسقاط وهم كفاية الذكاء المجرد:
تضع الآية قاعدة معرفية بالغة الدقة: "الذكاء العقلي والعلم الدنيوي لا يغنيان عن العبد شيئاً في النجاة ما لم ينقاد للوحي"؛ فعاد وثمود لم يكونوا جهلة سذجاً، بل كانوا عمالقة حضارة وذكاء وفطنة دنيوية متقدمة ({مُسْتَبْصِرِينَ})، ومع ذلك خدعهم الشيطان وساقهم إلى الكفر؛ لأن الذكاء إذا تجرد من تقوى الله تحول إلى أداة تبرير للباطل وسلاح لتدمير الذات.
الإيجاز بالحذف في {وَعَادًا وَثَمُودَ}: للدلالة على شهرة مصارعهم في أذهان المخاطبين، حتى كأن مجرد ذكر الاسم يستحضر فوراً هول الإهلاك بالريح العقيم والصيحة.
التهكم والتوبيخ في {وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}: توبيخ لهم بأن عقولهم التي شيدوا بها المدن ونحتوا بها الجبال عجزت عن إدراك أبسط بديهيات التوحيد!
الظلال التدبرية والإشارية:
كم من فيلسوف، أو عالم ذرة، أو مخترع عبقري في عصرنا، تجده مستبصراً ذكياً في مجاله المادي، لكنه يعبد فأراً أو ينكر وجود الخالق؛ فالعقل بلا نور الوحي أعمى يتخبط في ظلمات التزيين الإبليسي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
مخاطبة أهل الحضارات المادية بالبراهين التي تسقط غرورهم التقني، وتذكيرهم بأن الأمم السابقة كانت أشد منهم قوة وبناءً ومصانع ثم دمرها كفرها.
الآثار التربوية والوجدانية:
سؤال الله الهداية والبصيرة الحقيقية التي تورث التقوى والنجاة.
الحذر من مداخل الشيطان وتزيينه للمعاصي والبدع تحت مسميات براقة.