البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 350)مصدر غير محدد١٨/٣٥٠ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: "{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}: أي اختبرنا وابتلينا الأمم الماضية وأتباع الأنبياء بالقتل والأذى والمشاق ومجاهدة الأعداء، {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}: أي فليظهرن الله الصادق في إيمانه من الكاذب في دعواه عياناً للناس، ليترتب عليه الجزاء بالعدل، والله عليم بهم قبل خلقهم وفي أنفسهم، ولكن ليعلمهم علماً يقع به الثواب والعقاب".
ويقرر ابن كثير (ج 6، ص 262)مصدر غير محدد٦/٢٦٢: "أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولكنه يبتليهم ليظهر علمه فيهم عياناً للخلائق فتقوم الحجة عليهم".
ويؤكد القرطبي (ج 13، ص 325)مصدر غير محدد١٣/٣٢٥ أن "العلم" هنا هو علم الظهور والشهادة الذي يتعلق به الجزاء، لا علم الغيب الأزلي القديم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
فَلَيَعْلَمَنَّ: الفاء عاطفة تفيد السببية، واللام واقعة في جواب قسم ثانٍ للتوكيد، "يعلمنّ" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
اللَّهُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
الَّذِينَ صَدَقُوا: اسم موصول مفعول به، وجملة "صدقوا" صلته.
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ: معطوفة على ما قبلها، وإعرابها نظيرها، و"الكاذبين" مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الاستدلال بالتاريخ وسنن الأولين لتثبيت المؤمنين؛ فالمعاناة التي يجدونها ليست بدعاً من الأمر، بل هي قانون عام مضى على الأنبياء والصالحين من قبل، والتذكير بهذا يهون الآلام ويسكب الطمأنينة في القلوب.
التناسب التركيبي الداخلي:
الربط بين الماضي {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} والمستقبل المؤكد بالقسم ونون التوكيد {فَلَيَعْلَمَنَّ}؛ لبيان استمرار هذه السنة وثباتها عبر الأجيال، ثم المقابلة التامة بين {الَّذِينَ صَدَقُوا} و{الْكَاذِبِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعلق علم الله بالحادث:
قد يشكل: كيف يقول: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} والله عليم بكل شيء أزلاً قبل الابتلاء؟
الجواب الحاسم عند أئمة السلف والمتكلمين:
علم الله نوعان: علم أزلي غيبي محيط بكل ما سيكون، وعلم شهودي واقعي يترتب عليه الجزاء.
الله لا يعاقب العباد ولا يثيبهم على مجرد علمه الأزلي بما سيفعلون، بل يحاسبهم على ما ظهر منهم وفعلوه باختيارهم في الواقع الحسي؛ لتقوم الحجة الدامغة عليهم ولا يقول قائل: "لو امتحنتني لأطعت". فعلم الله هنا معناه: ليعلم وقوعه عياناً مجازى عليه.
التأكيد المكرر بالقسم وقد ونون التوكيد: {وَلَقَدْ}، {فَلَيَعْلَمَنَّ}، {وَلَيَعْلَمَنَّ}؛ لإثبات أن هذه السنة لا تتخلف قط، ودفع أي وهم باستثناء أحد من هذا الامتحان.
الطباق البديع: بين الصدق والكذب، وبين الماضي (فتنا) والمستقبل (ليعلمن).
العدول في التعبير: قال في الأول {الَّذِينَ صَدَقُوا} بصيغة الفعل للدلالة على حدوث الصدق وثبوته بالفعل والعمل، وقال في الثاني {الْكَاذِبِينَ} بالاسمية للدلالة على اتصافهم بالصفة ورسوخ الكذب في طواياهم.
الظلال التدبرية والإشارية:
ميدان الابتلاء هو المعمل الرباني لفرز الرجال؛ فعند الرخاء يدعي الجميع البطولة والإيمان، وعند الشدائد والفتن يظهر الصادقون كالجبال الرواسي، ويتساقط الكاذبون كأوراق الخريف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
ربط الأجيال الحاضرة بتاريخ الأنبياء وتضحيات السلف الصالح، ليعلم الداعية أن طريقه معبد بالدماء والدموع والتضحيات، فلا يستوحش من طول الطريق ولا قلة السالكين.
الآثار التربوية والوجدانية:
محاسبة النفس ومطالبتها بالصدق التام مع الله في السر والعلن.
الصبر والثبات عند نزول البلاء، واستشعار أن العبد في قاعة اختبار إلهي مكشوفة أمام الملأ الأعلى.