البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 379)مصدر غير محدد١٨/٣٧٩ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: "يقول تعالى ذكره: وما أنتم أيها الناس بمعجزي ربكم بالهرب منه إذا أراد بكم عقوبة أو أخذكم بالعذاب، لا في أقطار الأرض إن هربتم فيها، ولا في طباق السماء لو صعدتم إليها كما قال: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}. {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ}: أي من قريب يتولى حمايتكم ودفع السوء عنكم، {وَلَا نَصِيرٍ}: ولا ناصر ينصركم ويمنعكم من بأس الله وعقابه".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 270)مصدر غير محدد٦/٢٧٠: "أي لا يعجزه أحد من أهل سمائه وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، وكل شيء خاضع لعظمته وجبروته، فلو هربتم في أقطار الأرض أو تحصنتم في أبراج السماء لما نجوتم منه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
بِمُعْجِزِينَ: الإعجاز هو إيقاع العجز في الطالب والسبق والفوات بحيث لا يُقدر عليه.
وَلِيٍّ: القريب الحميم الذي يتولى النصرة والمحبة والدفاع.
نَصِيرٍ: المعين القوي الذي يدفع المكروه بالقوة والقتال.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَمَا أَنتُم: الواو عاطفة أو استئنافية، "ما" حجازية نافية تعمل عمل ليس، "أنتم" ضمير منفصل في محل رفع اسمها.
بِمُعْجِزِينَ: الباء حرف جر زائد للتوكيد، "معجزين" خبر ما مجرور لفظاً منصوب محلاً بالياء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
قطع كل مسارب الهرب والالتجاء؛ فبعد أن بين أن مصيرهم إليه وأن العذاب والرحمة بمشيئته، قطع هنا أي أمل للمجرم في الإفلات: فلا الأرض تسعه هرباً، ولا السماء تمنعه تحصناً، ولا شريك يدفع عنه العذاب.
التناسب التركيبي الداخلي:
النفي المؤكد بحروف الجر الزائدة {بِمُعْجِزِينَ} و{مِن وَلِيٍّ}؛ لإطباق الحصار الوجودي التام على الكافرين وإشعارهم بالعجز المطلق أمام سلطان الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
معنى قوله: {وَلَا فِي السَّمَاءِ} والمخاطبون في الأرض:
كيف يقول للبشر في الأرض: {وَلَا فِي السَّمَاءِ} وهم لا يسكنون السماء؟
التحقيق عند أئمة اللغة والتفسير:
المعنى: لو طرتم إلى السماء أو صعدتم في معارجها وتحصنتم في آفاقها لما أعجزتمونا؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}.
التعبير خرج مخرج الإحاطة بالأمكنة والجهات؛ أي لا يعجزه هارب في الأرض ولا في السماء، والمقصود شمول السلطان لكل الكون كقول العرب: "لا يفوتني فلان في سهل ولا جبل" وإن كان في أحدهما.
قيل: الخطاب للإنس والجن معاً، والجن يسترقون السمع من السماء فبين أنهم لا يعجزون الله فيها.
تكرار حروف الجر الزائدة ("الباء" و"من"): في {بِمُعْجِزِينَ} و{مِن وَلِيٍّ}؛ لتأكيد استغراق النفي ونفي كل شبهة للإفلات أو النصرة.
الطباق المكاني: بين الأرض والسماء لإحاطة كافة أبعاد الوجود المكاني بالقدرة الإلهية.
الظلال التدبرية والإشارية:
أين يفر الإنسان من خالقه؟ كل فرار في الوجود تفر فيه من الشيء إلى غيره، إلا الله سبحانه؛ فإنك إن فررت منه لا مفر لك إلا إليه: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
إسقاط كبرياء الطواغيت ومراكز القوى؛ فالدعوة تذكر الجبابرة بأن عتادهم وقلاعهم وأسلحتهم الفضائية والأرضية لا تعجز قدرة الله إذا أراد أخذهم.
الآثار التربوية والوجدانية:
التوكل على الله وحده والولاء التام له؛ إذ لا ولي ولا نصير سواه.
الاستسلام والخضوع لجلاله والتجرد من الحول والقوة الذاتية.