البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 432)مصدر غير محدد١٨/٤٣٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى واعداً للمهاجرين والمؤمنين الصابرين: والذين جمعوا بين التصديق القلبي والعمل الصالح بالهجرة ومجاهدة النفس والصبر على البلاء، {لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا}: أي لننزلنهم ونسكننهم في الدار الآخرة منازل عالية رفيعة وقصوراً شاهقة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها كالكواكب الدري، {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: من خمر ولبن وعسل وماء، {خَالِدِينَ فِيهَا}: لا يتحولون عنها ولا يموتون ولا يبغون عنها حولاً، {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}: نعم هذا الثواب والجزاء أجر من عمل بطاعة الله وهاجر في سبيله وصبر على مكاره الدنيا".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 287)مصدر غير محدد٦/٢٨٧: "عوضهم الله عما تركوا من بيوتهم ومساكنهم في الدنيا بهذه الغرف العالية الشاهقة في جنات النعيم المقيم".
وقرأ حمزة والكسائي {لَنُثْوِيَنَّهُمْ} بالثاء المثلثة من الثواء وهو الإقامة والاستقرار، وقرأ الباقون {لَنُبَوِّئَنَّهُم} بالباء والهمز من التبوء وهو اتخاذ المنزل والإسكان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
لَنُبَوِّئَنَّهُم: التبوء هو اتخاذ المنزل والمكان المهيأ للإقامة؛ وبوأه منزلاً أي أسكنه إياه ومكنه منه.
غُرَفًا: جمع غرفة، وهي البناء المرتفع العالي فوق غيره، ومنازل الجنة العليا تسمى غرفاً لشرفها وارتفاعها.
خَالِدِينَ فِيهَا: حال منصوبة بالياء من مفعول نبوئنهم، وفيها متعلقان بخالدين.
نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ: نعم فعل مدح، "أجر" فاعل مرفوع، "العاملين" مضاف إليه مجرور بالياء، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره "الجنة أو الغرف"، والجملة مستأنفة للثناء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
التعويض والمقابلة العادلة لمن ترك داره في الهجرة؛ فالمهاجر يترك غرفته ومنزله وقصره بمكة ويخرج متجرداً مستضعفاً، فبشره الله بالبديل الأخروي الأعظم: غرف وقصور في الجنة تجري من تحتها الأنهار خالدة لا تزول؛ لتزول كل حسرة على متاع الدنيا الزائل.
التناسب التركيبي الداخلي:
التوكيد بالقسم ونون التوكيد {لَنُبَوِّئَنَّهُم}، ثم تعداد محاسن هذا المسكن: العلو والرفعة {غُرَفًا}، وجريان الأنهار {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}، ودوام البقاء بلا انقطاع {خَالِدِينَ فِيهَا}، وتتويجها بإنشاء المدح العام {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ربط الأجر بالعمل ونفي التواكل:
قوله تعالى: {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} يقرر أصلاً قرآنياً حاسماً: أن منازل الجنة العالية وغرفها الشاهقة لا تُنال بالأماني الباردة ولا بالكسل، بل بالعمل الجاد والبذل والتضحية والصبر؛ فالإيمان المحمود هو الإيمان العامل المجاهد الذي يصدقه السلوك.
التنكير في {غُرَفًا}: للتعظيم وتفخيم الشأن؛ أي غرفاً لا يشبهها بناء في الأرض، حسناً ونوراً وسعة وجمالاً.
التطابق بين القراءتين المتواترتين: قراءة {لَنُبَوِّئَنَّهُم} تفيد تهيئة المنزل وإنزاله فيه بكرامة، وقراءة {لَنُثْوِيَنَّهُمْ} تفيد دوام الإقامة والخلود والاستقرار بلا خوف من خروج أو زوال؛ فالقراءتان تثريان المعنى إعجازاً.
الظلال التدبرية والإشارية:
يا من تركت دارك وضيعتك في سبيل الله وذقت مرارة الغربة؛ ارفع بصرك إلى تلك الغرف التي تتلألأ في الفردوس الأعلى؛ هناك مستقرك الأبدي، وهناك ينسى المهاجر كل عناء نصبه في الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تثبيت المستضعفين والمضطهدين بذكر نعيم الجنة وغرفها؛ فالداعية يحيي الرجاء في نفوس المبتلين لتهون عليهم مشاق التضحيات.
الآثار التربوية والوجدانية:
الجد والاجتهاد في العمل الصالح لنيل تلك الغرف الشاهقة.
زهد القلب في أبنية الدنيا الفانية والتطلع إلى عمارة الدار الآخرة.