البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 380)مصدر غير محدد١٨/٣٨٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى: والذين جحدوا آيات الله المنزلة على رسله، وكذبوا بالبعث والنشور والحساب ولقاء الله في الدار الآخرة، {أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي}: أي قنطوا يوم القيامة من رحمة الله وجنته حين عاينوا العذاب، وانقطعت آمالهم وتلاشت أوهامهم في شفاعة الأنداد، {وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: موجع شديد يخلدون فيه في نار جهنم".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 271)مصدر غير محدد٦/٢٧١: "أي لا نصيب لهم في الخير والرحمة، فإنهم لما كفروا بالآيات وبلقاء الله في الدنيا، حرمهم الله من رحمته في الآخرة، وأحل بهم نقمته وعذابه الأليم".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 338)مصدر غير محدد١٣/٣٣٨ أن اليأس هنا إما واقع منهم في الآخرة عند معاينة النار، أو هو وصف لحالهم بانسداد أبواب النجاة عليهم لكفرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَئِسُوا: اليأس هو القنوط وانقطاع الأمل ورجاء الخير بالكلية.
رَّحْمَتِي: الرحمة الإلهية الواسعة والجنة ورضوان الله، وأضافها لنفسه تشريفاً وتعظيماً لها.
أَلِيمٌ: المؤلم البالغ في إحداث الوجع الحسي والنفسي.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا: الواو عاطفة أو استئنافية، "الذين" اسم موصول مبتدأ، وجملة "كفروا" صلته.
بِآيَاتِ اللَّهِ: متعلقان بكفروا.
وَلِقَائِهِ: معطوف، والهاء مضاف إليه.
أُولَٰئِكَ: اسم إشارة مبتدأ ثانٍ.
يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي: ماضٍ وفاعله، ومتعلقان بيئسوا، والجملة خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول (الذين).
وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: معطوفة، اسم إشارة مبتدأ، "لهم" خبر مقدم، "عذاب" مبتدأ مؤخر، "أليم" نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
البيان التفصيلي لعقوبة منكر البعث والآيات؛ فبعد أن قرر في الآية (21): {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ}، حدد هنا الطائفة المحرومة من الرحمة قطعاً: وهم الذين كفروا بآيات الله ولقائه؛ ليتبين أن حرمانهم من الرحمة ليس ظلماً، بل هو الجزاء الوفاق لجحودهم ويأسهم من الحق.
التناسب التركيبي الداخلي:
تكرار اسم الإشارة للبعيد {أُولَٰئِكَ... وَأُولَٰئِكَ} لإفادة البعد الشنيع في الضلال والخسران، والمقابلة بين حرمانهم من النعيم {يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي} ووقوعهم في النكال {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة اليأس من رحمة الله والكفر بالمعاد:
توضح الآية أن أعظم أسباب الشقاء الأبدي هو الكفر باليوم الآخر؛ فالذي لا يرجو لقاء الله لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً، فيتحلل من كل قيد أخلاقي وإيماني، فيستحق أن يحرم من رحمة الله الواسعة يوم القيامة جزاء استكباره واستهانته بالوحي والآيات.
إضافة الرحمة إلى ضمير المتكلم {رَّحْمَتِي}: للتشريف والتفخيم؛ لإشعار السامع بعظم ما خسروه وفقدوه؛ فرحمة الله التي وسعت كل شيء قد حُرموا منها تماماً بسبب كفرهم.
اسم الإشارة {أُولَٰئِكَ} المكرر: للدلالة على أن اتصافهم بتلك الصفات الشنيعة جعلهم متميزين في استحقاق اليأس والعذاب الأليم، مفصولين عن أهل النجاة.
الظلال التدبرية والإشارية:
أعظم عذاب يوم القيامة ليس عذاب النار الحسي فحسب، بل هو عذاب اليأس وانقطاع الرجاء في رحمة أرحم الراحمين؛ فحين توصد الأبواب ويقال: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}، تذوب القلوب حسرة وألماً لا يطاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
التحذير من إشاعة اليأس والقنوط في الدنيا، وبيان أن رحمة الله مفتوحة للتائبين مادامت الأرواح في الأجساد، واليأس المحتوم إنما هو للكفار في الآخرة.
الآثار التربوية والوجدانية:
التمسك بالرجاء وحسن الظن بالله مع العمل الصالح قبل فوات الأوان.