البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 439)مصدر غير محدد١٨/٤٣٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى ذكره محقراً لشأن الدنيا ومعلياً لقيمة الآخرة: وما هذه الحياة الدنيا الفانية العاجلة التي يتنافس عليها أهل الغفلة إلا لهو تلهو به القلوب ساعة ثم ينقضي، ولعب تلعب به الأبدان كألعاب الصبيان لا حقيقة له ولا بقاء، {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}: قال ابن عباس وقتادة: لهي الحياة الدائمة الباقية التي لا موت فيها ولا انقطاع، والحيوان مصدر حيي حيواناً وهو أبلغ في الدلالة على كمال الحياة وثبوتها من لفظ الحياة، {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}: لو كان لهم علم حقيقي بفضل الآخرة وهوان الدنيا لآثروا الباقي على الفاني".
ويقرر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 289): "أي الحياة الدنيا سريعة الزوال منقطعة النعيم كاللهو واللعب، وإن الدار الآخرة لهي الحياة التامة الكاملة التي لا يعقبها موت ولا يكدرها نصب ولا زوال، لو كان لهم علم يعقلون به".
*تفسيره* (ج 6، ص 289)مصدر غير محدد٦/٢٨٩
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
لَهْوٌ: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، وتطرب له النفس في الغفلة.
وَلَعِبٌ: العمل العابث الذي لا ثمرة حقيقية له ولا فائدة باقية ترجى منه.
الْحَيَوَانُ: مصدر أصله "حَيَيَان" قلبت الياء الثانية واواً، وهو أبلغ وأقوى صيغ الدلالة على الحياة الكاملة الصافية الدائمة الفياضة بالحركة والحيوية التي لا يعتريها موت ولا فناء.
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ: إن واسمها، والآخرة نعت منصوب.
لَهِيَ: اللام المزحلقة، "هي" ضمير فصل لا محل له أو مبتدأ ثانٍ.
الْحَيَوَانُ: خبر إن مرفوع بالضمة (أو خبر هي وجملة هي والخبر خبر إن).
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: شرطية وجملة صلتها، وجواب الشرط محذوف تقديره لما آثروا الدنيا على الآخرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الميزان الوجودي الفاصل بين دارين؛ فبعد استعراض فتن الأموال، وضغوط الأهل، وتكذيب المعاندين، ومسألة الرزق، وضعت هذه الآية المشهد الكلي أمام العقل الإنساني: أنتم في دار عابرة لا تستحق التضحية بالدين من أجلها، فالدنيا مجرد "لهو ولعب"، والخلود الحقيقي والحياة الكاملة إنما هي في الدار الآخرة.
التناسب التركيبي الداخلي:
القصر والحصر بـ {وَمَا... إِلَّا} لتحقير شأن الدنيا وحصرها في اللهو واللعب، ومقابلتها بالجملة الاسمية المؤكدة بـ "إنّ" واللام المزحلقة وضمير الفصل ولفظ المصدر الأبلغ {لَهِيَ الْحَيَوَانُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق وصف الدنيا بـ "اللهو واللعب" وسر التعبير بـ "الحيوان":
ليس المراد تحريم عمارة الأرض ولا تعطيل العمل الدنيوي الصالح؛ فإن العمل للآخرة والصالحات في الدنيا من أعظم العبادات؛ بل المراد: الدنيا لذاتها وبمتاعها وشهواتها ومفاخرها المجردة عن طاعة الله إنما هي كألعاب الصبيان يلهو بها ساعة ثم تنقضي ولا يبقى منها شيء.
التعبير بـ {الْحَيَوَانُ} دون "الحياة": لأن حركة الواو والنون في صيغة "فَعَلان" تدل في لسان العرب على الحركة والفيضان والحيوية التامة الخالصة؛ فحياة الجنة حياة خالصة من كدر الموت، والمرض، والهم، والحزن، والشيخوخة؛ فهي الحياة الحقيقية التي تستحق أن يعيش الإنسان لأجلها.
اسم الإشارة {هَٰذِهِ}: للتحقير والإشارة إلى قربها وتفاهتها وزوالها المحسوس.
صيغة "فَعَلان" في {الْحَيَوَانُ}: للدلالة على تدفق الحياة واكتمالها؛ كأن الآخرة هي مجسم الحياة الصرفة التي لا يشوبها عدم ولا فناء.
حذف جواب {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}: لتهويل ما فاتهم بسبب جهلهم، وما أعد لأهل العلم بالله من النعيم.
الظلال التدبرية والإشارية:
حين تستقر هذه الآية في قلب العبد، تسقط الدنيا من عينيه؛ يرى قصورها ومناصبها كألعاب أطفال يجمعونها في الصباح ويبعثرونها في المساء، وتشرق في روحه أنوار "الحيوان" الأبدي، فينفق عمره في بناء مسكنه في تلك الدار التي لا تموت أرواحها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تصحيح المقاييس والقيم في عقول الأجيال؛ فالداعية يحرر المدعوين من عبادة المادة والاستغراق في لهو الدنيا، ويربط طموحاتهم بالأبدية والدار الآخرة.
الآثار التربوية والوجدانية:
زهد القلب في الدنيا والاستمتاع بمباحاتها على سبيل التزود للآخرة.
الشوق الدائم لنعيم الجنة والعمل الصالح طلباً للحياة الكاملة فيها.