البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 426)مصدر غير محدد١٨/٤٢٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى ذكره: ويستعجلك هؤلاء المشركون يا محمد بنزول العذاب استهزاءً وتكذيباً؛ كقولهم: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ}، {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى}: أي ولولا أن الله قضى في سابق علمه وقدر أجلاً محدداً ووقتاً معيناً لعذابهم لا يتقدم ولا يتأخر (وهو يوم بدر أو يوم القيامة)، لأتاهم العذاب عاجلاً في الدنيا بسؤالهم واستهزائهم، {وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً}: أي وليفاجئنهم العذاب فجأة على حين غفلة منهم، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} بمجيئه ولا يتوقعون نزوله".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 286)مصدر غير محدد٦/٢٨٦: "يخبر تعالى عن جهل المشركين وسخافة عقولهم في استعجالهم عذاب الله، مبيناً أن حلمه وتأخيره للعقاب إنما هو لأجل مسمى مضروب لحكمته، وأن العذاب إذا نزل جاءهم بغتة وهم غافلون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَسْتَعْجِلُونَكَ: طلب الشيء والحرص على قدومه قبل أوانه، والسين والتاء للطلب.
أَجَلٌ مُّسَمًّى: وقت محدد مسمى في اللوح المحفوظ لا يزاد فيه ولا ينقص.
بَغْتَةً: فجأة من غير تقدم أمارة ولا سابق إنذار يترقبونه.
لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ: اللام واقعة في جواب لولا، ماضٍ ومفعوله، و"العذاب" فاعل، والجملة جواب شرط لولا لا محل لها.
وَلَيَأْتِيَنَّهُم: الواو عاطفة، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر والهاء مفعول به.
بَغْتَةً: حال منصوبة أو مفعول مطلق (أي إتياناً بغتة).
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ: الواو حالية، مبتدأ وجملة لا يشعرون خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة للبغتة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
كشف حماقة المعاندين حين ينقلب التكذيب إلى صلف واستعجال للهلاك؛ فبدل أن يسألوا الله الهداية والرحمة، استعجلوا سياط العذاب استهزاءً، فأوضح القرآن القانون الإلهي في ضبط مواقيت الجزاء؛ فالعقوبات ليست خاضعة لرغبات الخصوم ونزواتهم، بل هي محكومة بأجل مقدر تقتضيه الحكمة البالغة.
التناسب التركيبي الداخلي:
استعمال أسلوب الشرط بـ {لَوْلَا} لبيان سر تأخر العقوبة وهو وجود {أَجَلٌ مُّسَمًّى}، ثم تأكيد مباغتة العذاب بالقسم ونون التوكيد والحالين: {وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفسير تأخر العذاب وإسقاط شبهة التعطيل:
ترد الآية على شبهة قديمة متجددة: "لو كان هذا الدين حقاً فلماذا لا يسقط الله علينا كسفاً من السماء الآن؟"
الجواب العقلي السنني: أن الله تعالى هو الحكيم الصبور الذي لا يستفزه استعجال المستعجلين، ولا يعاجل بالعقوبة لجهل الجاهلين؛ فالكون يسير وفق مواقيت دقيقة وقوانين ثابتة؛ فإذا انقضى الأجل المحدد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر بغتة دون إشعار مسبق؛ فالتأخير رحمة وإمهال لمن يرجى إيمانه، وإقامة للحجة على الباقين.
التأكيد المزدوج لمباغتة العذاب: بالجمع بين لفظ {بَغْتَةً} والجملة الحالية {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}؛ لبيان شدة الصدمة وذهول المفاجأة التي تسلبهم أي فرصة للتوبة أو الهرب.
التنكير في {أَجَلٌ مُّسَمًّى}: للتهويل وتفخيم شأن هذا الميعاد المكتوب الذي لا رادّ له.
الظلال التدبرية والإشارية:
حلم الله يغر الجهلاء؛ يظن الأحمق أن عدم نزول الصاعقة عليه دليل على رضوان الله أو بطلان الوعيد، ولا يعلم أن غضب الجبار يتجمع، وأن موعد الأجل المسمى يقترب في كل ثانية، حتى إذا جاءت ساعة الصفر انقض العذاب كالصاعقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الصبر وعدم استعجال هلاك المكذبين؛ فالداعية يعلم أن مواقيت الله محكمة ومكتوبة، فلا يضيق صدره باستعجال الخصوم.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخوف والوجل من الأجل المباغت وسؤال الله حسن الخاتمة.