البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 408) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: "هذا مثل ضربه الله جل ثناؤه للمشركين الذين يعبدون الأصنام والأنداد ويتخذون الأولياء والأحلاف من دون الله يرجون نصرتهم ونفعهم؛ فشبههم في جهلهم وسوء صنيعهم وخيبة أملهم بالعنكبوت؛ نسجت لنفسها بيتاً من خيوط واهية ضعيفة لا يغني عنها شيئاً؛ لا يقيها من حر شمس، ولا من برد ريح، ولا من قطرة مطر، ولا يدفع عنها صائداً، فكذلك هؤلاء المشركون: آلهتهم وأولياؤهم الذين استندوا إليهم أضعف وأوهن من أن يدفعوا عنهم عذاب الله أو يجلبوا لهم نفعاً؛ {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}: لو كان لهؤلاء المشركين علم وبصيرة لما عبدوا هذا الضعيف ولما ركنوا إلى هذا البناء الواهي".
ويقرر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 279): "هذا مثل ضربه الله للمشركين في اتخاذهم آلهة من دونه، يرجون نصرها ورزقها، وأنها في ضعفها وعجزها كبيت العنكبوت الذي لا غناء فيه، فلو علموا حقيقة الأمر لما اتخذوا من دون الله أولياء".
ويؤكد القرطبي (ج 13، ص 348)مصدر غير محدد١٣/٣٤٨ أن تاء التأنيث في {اتَّخَذَتْ} إعجاز لغوي وعلمي دقيق؛ فالتي تبني البيت هي أنثى العنكبوت.
كَمَثَلِ: الكاف حرف جر وتشبيه، "مثل" اسم مجرور بالكاف والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ (مثل).
الْعَنكَبُوتِ: مضاف إليه مجرور.
اتَّخَذَتْ بَيْتًا: ماضٍ والتاء للتأنيث والفاعل مستتر يعود على العنكبوت، "بيتاً" مفعول به، والجملة في محل نصب حال من العنكبوت أو استئنافية مفسرة.
وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ: الواو حالية أو استئنافية، إن واسمها منصوب، والبيوت مضاف إليه.
لَبَيْتُ: اللام المزحلقة للتوكيد، "بيت" خبر إن مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
الْعَنكَبُوتِ: مضاف إليه مجرور.
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: "لو" شرطية تفيد الامتناع، كان واسمها وجملة يعلمون خبرها، وجواب الشرط محذوف تقديره: لما اتخذوهم أولياء ولما عبدوهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الدرة التاجية ومركز الثقل البياني والمقاصدي للسورة التي سميت باسم هذا المثل العظيم؛ فبعد أن استعرضت السورة مصارع الطغاة والجبابرة والكيانات العاتية (قوم نوح، وعاد، وثمود، ومدين، وقارون، وفرعون، وهامان) وأظهرت تهافت قواهم وعجزها عن رد أمر الله، ضربت هذه الآية هذا المثل العبقري لتصوير حقيقة تلك القوى والتحالفات الشركية بأنها ليست سوى "بيت عنكبوت" تافه لا يصمد أمام نسمة حق واحدة.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد الوهن باسم التفضيل {أَوْهَنَ الْبُيُوتِ}، وتكرار لفظ {لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ} باللام المزحلقة لتقرير الحقيقة في الأذهان، وتذييلها بـ {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} لبيان أن العلة الكبرى في عبادتهم هي الجهل المطبق بحقائق الوجود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي والاجتماعي في مثل بيت العنكبوت:
أثبت العلم الحديث دقة الإعجاز القرآني في هذه الآية على مستويات مذهلة:
الإعجاز اللغوي والبيولوجي: استخدام تاء التأنيث {اتَّخَذَتْ}؛ حيث ثبت علمياً أن أنثى العنكبوت هي التي تختص بنسج البيت وصنع الخيوط بما تمتلكه من مغازل غدية خاصة، بينما يعجز الذكر عن ذلك.
الوهن الحسي والمعنوي (الاجتماعي):
حسياً: خيط العنكبوت وإن كان قوياً في مرونته ومقاومته للشد قياساً لسمكه المجهري، إلا أن "البيت" بمجموعه نسيج مخرم لا يستر من نظرة، ولا يقي من حر، ولا يدفع ريحاً أو قطرة ماء، بل تتلفه نفخة ريح عابرة.
معنوياً واجتماعياً: بيت العنكبوت هو أوهن البيوت وأخلاها من الأمان والمودة؛ فالأنثى تفترس الذكر بعد التلقيح، والصغار يأكل بعضهم بعضاً بعد الفقس، فهو بيت تمزق وقتل وغدر؛ وكذلك بيوت الشرك والتحالفات الباطلة: ظاهرها التماسك وباطنها الغدر واللعن والعداوة في الدنيا والآخرة!
حذف مفعول العلم في {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}: لتعميم جهلهم؛ أي لو كان لهم حظ من علم حقيقي لعلموا تفاهة آلهتهم، ولعلموا عظمة التوحيد، ولعلموا مصيرهم في النار.
الظلال التدبرية والإشارية:
كل من اعتمد على غير الله فهو معلق بخيوط عنكبوت؛ من اعتز بمال، أو منصب، أو تحالف مع طاغوت، أو جيش جرار، ظاناً أنه يحميه من قدر الله، فهو كحشرة تحتمي ببيت العنكبوت، تدوسها الأقدار في لحظة واحدة وتذهب أدراج الرياح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تجريد التوحيد وإسقاط الهيبة المزيفة لقوى الباطل في عيون المدعوين؛ فالداعية ينظر إلى أعتى إمبراطوريات الشر والظلم بعين هذه الآية فيراها "بيت عنكبوت" آيل للسقوط.
الآثار التربوية والوجدانية:
الاعتصام التام بحبل الله المتين والتوكل عليه وحده؛ فهو الحصن المنيع والملجأ الحقيقي.
الحذر من الركون إلى الظالمين أو موالاة أعداء الدين طلباً للعزة؛ فإن عزتهم وهمٌ كنسيج العنكبوت.