البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 371)مصدر غير محدد١٨/٣٧١ عن ابن عباس ومجاهد والسدي: "يقول إبراهيم لقومه مبكتاً لهم على سخافة عقولهم: إنما تعبدون من غير الله حجارة وأصناماً منحوتة لا حراك بها، {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا}: أي وتكذبون كذباً تختلقونه من قبل أنفسكم بزعمكم أنها آلهة تشفع لكم أو تقربكم إلى الله زلفى، {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا}: أي لا يستطيعون أن يرزقوكم حبة خردل ولا قطرة ماء، {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ}: فاطلبوا الرزق والمعاش من عند الله وحده المنفرد بالعطاء والمنع، {وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} على ما أسدى إليكم، {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بعد موتكم فيجزي الشاكر ويعاقب الجاحد".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 268)مصدر غير محدد٦/٢٦٨: "هذه حجة عقلية باهرة؛ الإله المعبود لا بد أن يكون رازقاً قادراً، وهذه الأوثان عاجزة عن الرزق، فكيف تُعبد وتترك عبادة من بيده خزائن السماوات والأرض؟".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
أَوْثَانًا: جمع وثن، وهو الصنم المصنوع من حجر أو خشب أو نحاس، وقيل الوثن ما كان له جثة وصورة تمثال، والصنم ما لا صورة له.
تَخْلُقُونَ: الخلق هنا بمعنى الاختلاق والتزوير والافتراء باللسان ومنه: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا}.
إِفْكًا: الإفك هو أسوأ الكذب وأشنعه، وهو صرف الشيء عن وجهه الحقيقي.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
إِنَّمَا: كافة ومكفوفة للحصر، أو "إن" واسمها "ما" الموصولة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
البرهان الاقتصادي والوجودي الحاسم على بطلان الشرك؛ فالإنسان بطبعه يطلب الرزق ويخاف الفقر، والمشركون كانوا يعلقون آمالهم بالأوثان تبركاً وطلباً للخصب، فجاء إبراهيم ليكسر هذه الرابطة الوهمية ويبين أن الأرزاق كلها بيد الله وحده.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة بين تنكير {رِزْقًا} المنفي عن الآلهة لبيان عجزها التام عن جلب أي قدر منه، وبين تعريف {الرِّزْقَ} المطلوب من الله بأل الاستغراقية لبيان أن كل الرزق الكوني بيده سبحانه، وتقديم الظرف {عِندَ اللَّهِ} لإفادة الحصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إبطال عبادة الجمادات بالدليل العملي:
المحاكمة العقلية هنا قائمة على الضرورة النفعية: المعبود الحق هو الذي يقيتك ويحفظ حياتك، وهذه الحجارة أنتم الذين نحتموها بأيديكم، فكيف ترجون منها الرزق؟ وإذا كان الرزق من الله وحده فكيف تصرفون العبادة لغيره؟ إنه تناقض عقلي وسقوط أخلاقي مريع.
الحصر بـ {إِنَّمَا}: لإظهار تفاهة ما يفعلونه وحصره في دائرة الحجارة والافتراء.
التقديم والتأخير في {عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ}: لقصر طلب الرزق على الله وحده؛ فلا يُستجدى الرزق من كاهن ولا وثن ولا مخلوق.
الترتيب المنطقي للواجبات: طلب الرزق {فَابْتَغُوا}، ثم الانقياد بالعبادة {وَاعْبُدُوهُ}، ثم الشكر على النعمة {وَاشْكُرُوا لَهُ}.
الظلال التدبرية والإشارية:
التحرر التام من الرق للمخلوقين؛ حين يوقن العبد أن كل من في الأرض لا يملكون له رزقاً ولا موتاً ولا حياة، يمتلئ قلبه عزة واستغناءً بالله، فلا يريق ماء وجهه على أعتاب الطواغيت من أجل لقمة عيش.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
ربط قضايا العقيدة بحاجات الناس الحياتية ومعايشهم؛ فالداعية يبين للناس أن الرزق والبركة من ثمار التوحيد والاستقامة، وأن الشرك والفساد سبب للجدب والهلاك.
الآثار التربوية والوجدانية:
التوكل المطلق على الرزاق ذي القوة المتين، وقطع الرجاء من المخلوقين.
دوام الشكر لله على نعمه الظاهرة والباطنة باللسان والعمل.