البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 360)مصدر غير محدد١٨/٣٦٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة أن هذه الآية نزلت في صنف من الناس بمكة؛ دخلوا في الإسلام بظاهر أقوالهم، فلما نالهم أذى المشركين وعذابهم لم يصبروا، وتراجعوا عن دينهم وجاروا المشركين على كفرهم، {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}: أي فر من عذاب الناس وأذاهم المؤقت في الدنيا فوقع في عذاب الله الأبدي المقيم بالردة والنفاق، فإذا نصر الله نبيه وفتح عليه، سارعوا بالحلف والأيمان: {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} ناصرين ومحبين!
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 265)مصدر غير محدد٦/٢٦٥: "يصف تعالى حال أهل الريب والنفاق المتذبذبين الذين ينهارون عند أول محنة؛ فإذا أصابه أذى من الناس ارتد عن دينه وكأن هذا العذاب الدنيوي الهين كعذاب الله الذي يجب الحذر منه، فإذا جاء الرخاء والنصر ادعى الإيمان والولاء".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 332)مصدر غير محدد١٣/٣٣٢ أن قوله: {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} رد واستنكار يثبت إحاطة علم الله بنفاق قلوبهم وسوء طواياهم مهما زخرفوا ألسنتهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
أُوذِيَ: الأذى هو المكروه الخفيف والضرر النازل بالبدن أو المال أو السمعة.
فِتْنَةَ النَّاسِ: ما يصيب المؤمن من أذى الكفار، والاضطهاد، والتعذيب، والسخرية.
بِأَعْلَمَ: الباء حرف جر زائد للتوكيد، "أعلم" خبر ليس مجرور لفظاً منصوب محلاً.
بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ: متعلقان بأعلم، وصلة ما مستقرة في صدور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
تشخيص نفسي واجتماعي فاضح للنموذج المنافق المتخاذل؛ فبعد أن بين الصادقين في الآيات السابقة، كشف هنا الشريحة الهشة التي تدعي الإيمان في الرخاء، وتسقط سريعاً عند الابتلاء، ثم تستثمر في نتائج نصر المجاهدين بلا حياء.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة بين حالين متناقضين: حال الخوف والردة عند البلاء {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}، وحال التملق والتسلق عند الغنائم والتمكين {وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سخافة المقايسة بين فتنة الناس وعذاب الله:
تبين الآية الخلل العقلي الفاحش عند هذا الصنف؛ كيف يقارن أذى البشر المحدود الفاني الضعيف الذي ينتهي بالموت، بعذاب الله الشديد الخالد الدائم في نار جهنم؟ لقد فروا من قطرة إلى بحر، وخافوا من مخلوق لا يملك موتاً ولا حياة، وأمنوا من مكر الجبار الذي بيده ملكوت كل شيء!
التشبيه في {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}: تشبيه مقلوب يجسد عمى البصيرة؛ حيث عامل الاضطهاد الزائل معاملة الهلاك الذي لا يُتحمل، فقدم النجاة الدنيوية على النجاة الأخروية.
التأكيد في {لَيَقُولُنَّ}: بلام القسم ونون التوكيد، لإبراز صلفهم وتملقهم الوقح في دعوى الشراكة عند النصر.
الباء الزائدة في {بِأَعْلَمَ}: لتأكيد كمال وسعة علم الله بما تنطوي عليه قلوب الخلائق أجمعين، فلا ينطلي عليه مكر الماكرين.
الظلال التدبرية والإشارية:
أخطر فئات المجتمع هي الفئة النفعية الانتهازية؛ التي تحب الغنائم وتكره التضحيات، تريد الإيمان بلا ثمن، وحين ينتصر الحق تزاحم في الصفوف الأولى زاعمة أنها كانت الشريك في الصبر والجهاد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
يقظة القيادة الإيمانية وكشف الأقنعة عن المتسلقين والمنافقين؛ فالصف الدعوي لا ينبغي أن ينخدع بالكلمات المعسولة وقت النصر، بل يزن الناس بمواقفهم وقت المحن والشدائد.
الآثار التربوية والوجدانية:
الخوف من النفاق وعلاماته، وسؤال الله الثبات في مواطن الزلازل والأذى.
استشعار أن عذاب الله هو الذي يُخاف ويُحذر، وأن آلام الدنيا كلها تهون في سبيل رضوان الله.