البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 412) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يقول تعالى: خلق الله السماوات السبع والأرض المهاد وما فيهما وما بينهما بالحق والعدل والحكمة، ولم يخلقهما عبثاً ولا باطلاً ولا سدى، بل ليعرف العباد قدرته وألوهيته، وليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ}: إن في خلق هذا الكون العظيم المعجز على هذا النظام البديع لدلالة ساطعة وحجة قاطعة للمؤمنين المصدقين على وحدانية الله وكمال قدرته واستحقاقه وحده للألوهية والعبادة".
ويقرر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 280): "أي خلقها بالحق لا بالباطل واللعب، كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا}، وإن في هذا الخلق لآية عظيمة وعبرة بينة للمؤمنين الذين ينتفعون بنظرهم في ملكوت السماوات والأرض".
ويؤكد القرطبي (ج 13، ص 349)مصدر غير محدد١٣/٣٤٩ أن تخصيص المؤمنين بكونها آية لهم لأنهم هم المنتفعون بالنظر المؤدي إلى التوحيد والعمل.
السَّمَاوَاتِ: مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
وَالْأَرْضَ: معطوف منصوب بالفتحة.
بِالْحَقِّ: جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل أو المفعول (أي محقاً أو ملتبسة بالحق).
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ: إن وحرف جر واسم إشارة في محل جر متعلقان بمحذوف خبر إن مقدم.
لَآيَةً: اللام المزحلقة للتوكيد، "آية" اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة.
لِّلْمُؤْمِنِينَ: جار ومجرور نعت لآية، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
خاتمة مسك الجزء الثاني من السورة والجامعة الكلية لبراهين التوحيد؛ فبعد ضرب مثل العنكبوت وتبيان وهن الشرك وعجز الأنداد، استعلى المشهد القرآني ليعرض خلق السماوات والأرض العظيم؛ لتقارن العقول بين من يبني بيتاً كبيت العنكبوت وبين من خلق السماوات والأرض بالحق؛ فالأول يعبد الهباء، والثاني يعبد فاطر الأكوان.
التناسب التركيبي الداخلي:
التوكيد بـ "إنّ" واللام المزحلقة {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً} لترسيخ عظمة المشهد الكوني، وتخصيص المؤمنين بكونها آية لهم {لِّلْمُؤْمِنِينَ}؛ لأن الكافر يرى الكون بعين البهيمة فلا يتعظ، أما المؤمن فيرى وراء كل شمس ومجرة قدرة الخالق العظيم وكماله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نفي العبثية والصدفة عن الخلق والوجود:
تقرر الآية حقيقة كونية فلسفية حاسمة: الكون مخلوق "بالحق"؛ فليس وجوده نتاج صدفة عمياء، ولا عشوائية غير موجهة، بل هو بناء متقن محكوم بغايات وقوانين ونواميس دقيقة. وإذا كان الخلق بالحق، فالحق يقتضي ألا يترك العباد هملاً بلا تكليف، وألا يتساوى الظالم والمظلوم، بل لابد من يوم للعدل والجزاء وهو النشأة الآخرة؛ فالخلق بالحق برهان قاطع على حتمية المعاد والتوحيد.
التأكيد على خلق السماوات والأرض بعد مثل العنكبوت: للمقابلة الإعجازية الباهرة بين أحقر البيوت وأضعفها (بيت العنكبوت) وبين أعظم الأبنية وأكبرها (السماوات والأرض)، ليرى المشرك شناعة من ساوى بين الصانع العظيم والصنم التافه!
اسم الإشارة {ذَٰلِكَ}: للإشارة إلى الخلق العظيم للسماوات والأرض بالحق، واستعمال كاف البعد للتعظيم وتفخيم الشأن.
الظلال التدبرية والإشارية:
الكون محراب كبير للمؤمن؛ كل كوكب يجري، وكل سماء مرفوعة، وكل أرض ممهدة، تهتف في روع المؤمن بوحدانية الحي القيوم؛ فيزداد إيمانه ويقينه ويسجد خاشعاً لرب العالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
توجيه أبصار الناس إلى التفكر في عظمة خلق السماوات والأرض؛ فالكون هو المعرض الأكبر لدلائل الألوهية والتوحيد.
الآثار التربوية والوجدانية:
استشعار عظمة الله وهيبته عند النظر في السماء والأرض.
إيقان العبد بأنه لم يخلق عبثاً، فيلزم الحق الذي خلقت به السماوات والأرض.