البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
أخرج ابن أبي حاتم والدارمي في سننه (حديث: 3364) بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (صحيح البخاري: 4981).
وروى ابن جرير الطبري (ج 18، ص 423)مصدر غير محدد١٨/٤٢٣ عن قتادة: "ذكر لنا أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جاؤوا بكتب من كتب اليهود والنصارى يقرؤونها، فنزل قوله تعالى توبيخاً واستنكاراً: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}؛ أي أولم يكفِ هؤلاء المشركين الطالبين للآيات الحسية، وأولم يكفِ الناس جميعاً، هذا القرآن العظيم المعجز الذي يتلى عليهم في كل وقت ومكان؟ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً}: بركة ونعمة وهداية في الدنيا، {وَذِكْرَىٰ}: موعظة وتذكرة تنجي من العذاب، {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 285): "هذا استفهام إنكاري يقرر كفاية القرآن العظيمة؛ فمن لم يكفه القرآن فلا كفاه الله، ومن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله؛ فهو معجزة المعجزات ونور البصائر".
*تفسيره* (ج 6، ص 285)مصدر غير محدد٦/٢٨٥
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَكْفِهِمْ: الكفاية هي سد الحاجة بالتمام بحيث لا يُحتاج معها إلى غيرها.
يُتْلَىٰ: يُقرأ مستمراً متجدداً على الأسماع.
ذِكْرَىٰ: تذكرة نافعة موقظة للقلوب الغافلة.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ: الهمزة للاستفهام التقريري التعجيبي، والواو عاطفة، "لم" جازمة، "يكفِهم" مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء) والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
أَنَّا أَنزَلْنَا: "أنّ" حرف توكيد ونصب و"نا" اسمها، وجملة "أنزلنا" خبرها، والمصدر المؤول من أنّ واسمها وخبرها في محل رفع فاعل لـ "يكفهم".
عَلَيْكَ الْكِتَابَ: متعلقان بأنزلنا، و"الكتاب" مفعول به لأنزلنا.
يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ: مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة ونائب الفاعل مستتر، والجار والمجرور متعلقان بيتلى، والجملة في محل نصب حال من الكتاب.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ: إن وحرف جر واسم إشارة في محل جر متعلقان بمحذوف خبر إن مقدم.
لَرَحْمَةً: اللام المزحلقة، "رحمة" اسم إن مؤخر منصوب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الرد المفحم والنهائي على طلب المعجزات الحسية في الآية السابقة؛ فالله تعالى ينكر عليهم هذا الطلب المتعنت ويواجههم بالحقيقة الكبرى: عندكم القرآن الكريم، وهو المعجزة الدائمة الخالدة التي تتلى عليكم صباح مساء، فكيف تطلبون حجر الصفا أو عصا موسى وعندكم كلام رب العالمين ببيانه وتشريعه وأسراره؟ إنه كفاية تامة لمن طلب الحق بإنصاف.
التناسب التركيبي الداخلي:
الاستفهام الإنكاري التعجيبي {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ}، ثم تصدير الإنزال بنون العظمة {أَنَّا أَنزَلْنَا}، ثم الحال المستمرة الدائمة {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} للدلالة على تجدد المعجزة وسهولة الوصول إليها، وختامها بتقرير ثمرتها المزدوجة {لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كفاية القرآن المعرفية والروحية والتشريعية:
تقرر الآية حقيقة إسلامية كبرى: القرآن كافٍ كفاية تامة في الهداية وتزكية النفس وإقامة الحجة على الخلق؛ فليس المسلمون بحاجة إلى استيراد فلسفات الشرق والغرب، ولا التماس الهداية في كتب محرفة أو أفكار وضعية؛ فمن ابتغى الهدى في غير القرآن أضله الله، والقرآن شفاء ورحمة وذكرى للمؤمنين.
الحال في {يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}: للدلالة على استمرار المعجزة وحضورها وتيسرها؛ فالمعجزات السابقة وقعت في زمن وماتت، أما القرآن فيتلى حياً في كل صلاة ومحراب ومجلس إلى قيام الساعة.
التنكير في {لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ}: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي لرحمة عظيمة لا تقدر، وتذكرة جليلة لا تنفد أسرارها.
الظلال التدبرية والإشارية:
يا حسرة على من يبحث عن السكينة عند المنجمين والفلاسفة وركام الكتب التائهة، وبين يديه كتاب الله يتلى عليه غضاً طرياً! القرآن هو النور والشفاء، وكل نقص يشعر به العبد إنما هو لقصور تدبره وإعراضه عن مائدة التنزيل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
الاعتماد الكلي على القرآن الكريم في الدعوة والتربية والتعليم؛ فالقرآن هو المرجعية الأولى وهو الحجة البالغة في الخطاب الإنساني.
الآثار التربوية والوجدانية:
الاستغناء بالقرآن عن كل ما سواه من المناهج البشرية القاصرة.
استشعار رحمة الله ولطفه في تيسير تلاوة كتابه وتدبره.