البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
أخرج ابن أبي شيبة والنسائي في السنن الكبرى (حديث: 8548) بإسناد صحيح عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه قال: لما كان يوم فتح مكة هربت في البحر، فلما ركبت الفلك عصفت بنا ريح عاصف ولعبت بنا الأمواج، فقال أهل السفينة لبعضهم: "أخلصوا؛ فإن آلهتكم لا تغني عنكم هاهنا شيئاً"، فقلت في نفسي: والله إن كان لا ينفع في البحر إلا الإخلاص فإنه لا ينفع في البر غيره! اللهم إن لك عليّ عهداً إن عافيتني ونجيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً غفوراً؛ فنجا ورجع فأسلم وحسن إسلامه.
وينقل الطبري (ج 18، ص 441)مصدر غير محدد١٨/٤٤١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "يخبر تعالى عن تناقض المشركين وفضيحة فطرتهم؛ فإذا ركبوا السفن في لجة البحر وعصفت بهم الأمواج وأشرفوا على الغرق، نسوا أصنامهم وأوثانهم ولجأوا إلى الله وحده مخلصين له الدعاء والتوحيد لعلمهم أنه لا ينجي من كرب البحر سواه، فلما أغاثهم برحمته وسلمهم وأوصلهم إلى البر سالمين، انقلبوا فوراً إلى شركهم وجحودهم!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
الْفُلْكِ: السفينة، تطلق على المفرد والجمع بلفظ واحد.
مُخْلِصِينَ: مصفين ومجردين العبادة والدعاء من شوائب الشرك والوسائط.
إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ: "إذا" فجائية تدل على مباغتة الشرك وسرعة انقلابهم بعد النجاة دون حياء.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
فَإِذَا: الفاء استئنافية أو عاطفة، "إذا" ظرفية شرطية غير جازمة.
إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ: "إذا" الفجائية حرف رابط للجواب، "هم" مبتدأ، وجملة يشركون خبره، والجملة جواب لما لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
كشف الفضيحة السيكولوجية للمشرك عند المحك والشدائد؛ فبعد أن بين في الآيات السابقة كفاية القرآن وإحاطة جهنم، استشهد هنا بظاهرة نفسية واقعية يعايشها كل بحار ومسافر؛ لتثبت الآية أن الشرك في حقيقته قشرة زائفة يتظاهر بها الإنسان في الرخاء، فإذا حلت الكارثة سقطت الأقنعة وصرخت الفطرة العميقة مستغيثة بالواحد القهار وحده.
التناسب التركيبي الداخلي:
المقابلة الصادمة بين حالهم في البحر {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، وحالهم فور ملامسة أقدامهم لليابسة {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}، ودخول إذا الفجائية لبيان وقاحة وسرعة هذا الانقلاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إلزام المشركين بسقوط أصنامهم وقت الشدة:
المحاكمة العقلية هنا لا تقبل المراوغة: أنتم تقرون بأن أصنامكم لا تنجي من أمواج البحر، وتنسونها تماماً حين تداهمكم الشدائد وتفرون إلى الله وحده؛ فإذا كان الله وحده هو الذي يملك النجاة في البحر، فكيف تعبدون غيره في البر؟ وهل إله البحر غير إله البر؟ إنه البرهان العملي الدامغ الذي هدى الله به عكرمة بن أبي جهل إلى الإسلام.
التعبير بالحال {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}: لتصوير عمق اللجأ والانكسار الذي يعتريهم في البحر؛ حتى لا يبقى في قلوبهم ذرة لغير الله.
المفاجأة بـ {إِذَا الْفُجَائِيَّةِ} في {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}: لإبراز سرعة ارتدادهم إلى الباطل دون تفكر أو حياء من المنعم الذي أنقذهم لتوه من الغرق.
الظلال التدبرية والإشارية:
كفران النعمة طبع لئيم في الإنسان الجاحد؛ يستغيث في المرض والبلاء فإذا عافاه الله عاد إلى غفلته ومعاصيه كأنه لم يدعُ ربه إلى ضر مسه؛ والمؤمن الصادق هو الذي يخلص لله في الرخاء والشدة على السواء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
استثمار لحظات الأزمات والشدائد لتذكير الناس بنداء الفطرة والتوحيد الخالص الذي يفر إليه الجميع عند الكوارث.
الآثار التربوية والوجدانية:
دوام الإخلاص لله في الشدة والرخاء، والوفاء بالنذور والعهود بعد النجاة.