البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا، حديث: 4485) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»".
وينقل الطبري (ج 18، ص 416)مصدر غير محدد١٨/٤١٦ عن قتادة ومجاهد وابن زيد: "نهى الله المؤمنين أن يجادلوا أهل التوراة والإنجيل إلا بالخصلة التي هي أحسن؛ بالرفق، واللين، وإيراد الحجج الواضحة، والدعوة بالحكمة، {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} بالاعتداء، والمحاربة، والطعن في الدين، والجحود الصريح بعد قيام الحجة؛ فهؤلاء يُغلظ عليهم ويقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أو يسلموا".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 282)مصدر غير محدد٦/٢٨٢: "هذا أدب رباني رفيع في مناظرة المخالفين من أهل الأديان السماوية السابقة؛ حيث يؤمر المسلم بالبحث عن الجوامع المشتركة، وإلزامهم بأصول كتبهم، واستعمال القول اللين والمنهج الأقوم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
تُجَادِلُوا: الجدال هو المحاورة والمناظرة لإظهار الحجة ودحض الشبهة؛ وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله.
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: بالخصلة أو الطريقة أو الحجة التي هي أهدى وألين وأبلغ في إيضاح الحق من غير عنف ولا سباب.
مُسْلِمُونَ: منقادون خاضعون مستسلمون لأمر الله وتوحيده وشرعه.
إِلَّا بِالَّتِي: "إلا" أداة حصر واستثناء مفرغ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال (أي ملتبسين بالطريقة التي هي أحسن).
هِيَ أَحْسَنُ: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول.
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ: استثناء متصل أو منقطع، "الذين" اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء، وجملة ظلموا صلته، ومنهم متعلقان بمحذوف حال.
وَقُولُوا آمَنَّا: أمر وفاعله، وجملة آمنا مقول القول.
وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ: مبتدأ ومضاف إليه ومعطوف عليه، و"واحد" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ: الواو حالية أو عاطفة، مبتدأ وخبر، و"له" متعلقان بمسلمون لبيان القصر والاختصاص.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
رسم منهج الحوار والمناظرة الفكرية مع أصحاب المرجعيات الكتابية؛ فبعد أن أرسى قواعد بناء الذات المؤمنة بالصلاة وتلاوة الوحي في الآية السابقة، انتقل هنا إلى تنظيم حركة الدعوة الخارجية مع الأمم والديانات، مبيناً الفارق بين مشركي الأوثان وأهل الكتاب الذين يشتركون في الاعتراف بأصل الوحي والأنبياء.
التناسب التركيبي الداخلي:
استثناءان متتاليان: الأول منهجي يحدد وسيلة الحوار {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، والثاني استثناء أمني وموقفي يحدد الاستثناء من الرفق {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}، ثم تلقين المسلم ميثاق الإيمان المشترك بلغة جامعة تفيض بالتواضع والإنصاف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أصول أدب المناظرة والحوار الحضاري في الإسلام:
تؤسس الآية لأرقى قواعد المناظرة العلمية الرصينة:
ترك الشتائم والتعصب الأعمى واعتماد أسلوب البرهان الهادئ {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
الانطلاق من الأرضيات المشتركة والمسلمات المتفق عليها (الإيمان بالوحي، وتوحيد الإله الخالق) لإلزام الخصم بلوازمه.
التفريق بين الباحث عن الحق المستفسر بأدب، وبين المعتدي الظالم المحارب؛ فالأول يعامل بالإحسان والبيان، والثاني يُواجه بالقوة والصرامة لردعه عن ظلمه.
صيغة التفضيل {أَحْسَنُ}: للدلالة على وجوب اختيار أرق الكلمات وأقوى الحجج وألطف الأساليب التي تقرب القلوب وتنزع الاحتقان.
القصر والتقديم في {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}: لتقرير خلوص الاستسلام والانقياد لله وحده دون أدنى تحريف أو شرك.
الظلال التدبرية والإشارية:
قوة الحق تغني عن سوء الأدب؛ فالذي يمتلك الحجة الناصعة لا يحتاج إلى الصراخ أو الشتائم، بل يقدم براهين الوحي بهدوء وثقة مستعيناً برب العالمين لفتح القلوب المقفلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
تدريب الدعاة وطلبة العلم على فقه المناظرة والحوار الديني بالمنهج القرآني المحكم، والابتعاد عن الجدل العقيم والمراء المذموم.
الآثار التربوية والوجدانية:
رسوخ الإنصاف والعدل في النفس حتى مع المخالفين في العقيدة.
الاعتزاز بالهوية الإسلامية والانقياد التام لأمر الله وتوحيده.