البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري في جامع البيان (ج 18، ص 368) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "يقول تعالى ذكره: فلما جاء أمرنا وفار التنور، أنجينا نوحاً ومن معه في السفينة من أهله والمؤمنين الذين ركبوا معه، وكانوا ثمانين رجلاً بنسائهم كما روي عن ابن عباس، وسلمهم الله من الغرق والهلاك، {وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}: أي وجعلنا تلك النجاة، وتلك السفينة، وتلك الواقعة الهائلة، عبرة وعلامة بينة ودلالة قاطعة لجميع الخلائق وأهل العصور المتتابعة على قدرة الله ونصرته لرسله وأوليائه وإهلاك أعدائه المكذبين".
ويذكر ابن كثير في تفسيره (ج 6، ص 267): "أي جعلنا تلك السفينة باقية، وقيل جعلنا تلك العقوبة أو النجاة آية باقية لمن بعدهم؛ كقوله تعالى: {وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}؛ حيث استقرت السفينة على الجودي بأرض الجزيرة دهراً طويلاً يراها الناس ويتعظون بصنعتها ونجاة أهلها".
ويقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج 13، ص 335) أن الضمير في {وَجَعَلْنَاهَا} عائد على السفينة أو العقوبة أو القصة والنجاة برمتها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
الخاتمة الحاسمة لقصة نوح عليه السلام؛ فبعد ذكر المعاناة الطويلة والصبر الأسطوري (950 عاماً) واقتراب الهلاك الكوني في الآية السابقة، جاءت هذه الآية لتسجل النتيجة الربانية النهائية: النجاة لأهل الإيمان، وتحول وسيلة النجاة ذاتها (السفينة) إلى درس تاريخي وعبرة خالدة للأجيال.
التناسب التركيبي الداخلي:
تصدير الآية بالفاء العاطفة {فَأَنجَيْنَاهُ} للإشعار بأن النجاة تعقيب حتمي لصبر الأنبياء وصدق دعواهم، وتعميم العبرة {لِّلْعَالَمِينَ} لتشمل الإنس والجن إلى يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع استشكال فناء الكفار وبقاء قلة مستضعفة:
تبرهن الآية على حقيقة سننية: العبرة في التاريخ ليست بالكثرة العددية؛ فالكثرة الكافرة جرفت وغرقت وأصبحت أثراً بعد عين، والقلة الصابرة في السفينة هي التي ورثت الأرض وبنت الحضارة الجديدة وتناسل منها بنو آدم؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ}. فالاعتزاز يكون بالحق وأهله لا بالجموع الغفيرة السائرة إلى حتفها.
الإيجاز الإعجازي البليغ: اختزلت الآية نجاة نوح وبناء الفلك وتفاصيل الطوفان وركوب السفينة ورسوها في كلمات يسيرة تقرر الحقائق الكبرى بلا حشو.
التنكير في {آيَةً}: تنكير تعظيم وتفخيم؛ أي آية عظيمة باهرة تنطق بصدق الوحي وتدل على توحيد الله وقدرته القاهرة.
الظلال التدبرية والإشارية:
سفينة نوح رمز لكل وسيلة اعتصام بحبل الله في طوفان الفتن؛ فكل من تمسك بالسنة ولزم جماعة المؤمنين ركب سفينة النجاة، وكل من استعلى بماله أو عقله وقال: "سآوي إلى جبل يعصمني"، غرق في بحار الشبهات والشهوات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
بث اليقين في قلوب الدعاة بأن العاقبة للمتقين مهما تلاطمت أمواج الفتن وأحاطت بهم جيوش الباطل؛ فسفينة الحق ستصل حتماً إلى بر الأمان.
الآثار التربوية والوجدانية:
الشكر الدائم لله على نعمة الهداية والنجاة من طوفان الكفر والضلال.
التأمل والاتعاظ بآثار السابقين ومصارع المكذبين عبر العصور.