البيان بالمأثور وتوجيه الروايات:
ينقل الطبري (ج 18، ص 353)مصدر غير محدد١٨/٣٥٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: "{مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ}: أي من كان يؤمن بالبعث ويؤمل ثواب الله ونعيمه ولقاء ربه بالبشرى والكرامة في الدار الآخرة، {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ}: أي فإن الوقت والميعاد الذي وقته الله للبعث والجزاء واقع حتماً لا يتأخر ولا ينقطع، وكل ما هو آتٍ قريب، فليستعد له بالعمل الصالح. {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: السميع لأقوال عباده ودعائهم وشكواهم، العليم بنياتهم وأعمالهم وما تجنه صدورهم".
ويذكر ابن كثير (ج 6، ص 263)مصدر غير محدد٦/٢٦٣: "هذا تعزية للمؤمنين وتسليم لقلوبهم؛ أي يا من تحبون لقاء ربكم وتشتاقون إلى ثوابه، وتصبرون على أذى أعدائه، اعلموا أن موعدكم الجنة، وأن الأجل قريب، فاصبروا وصابروا".
ويقرر القرطبي (ج 13، ص 327)مصدر غير محدد١٣/٣٢٧ أن "الرجاء" هنا يتضمن المحبة والخوف والأمل المشحون بالعمل الصالح والتطلع إلى رضوان الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدلالات اللغوية واشتقاقات الألفاظ:
يَرْجُو: الرجاء هو الأمل في محبوب ممكن، وقد يستعمل بمعنى الخوف والرهبة في سياقات أخرى، والمختار هنا هو طمع المؤمن في رحمة الله وثوابه ورؤيته.
لِقَاءَ: اللقاء هو المقابلة والوصول إلى الموعد؛ والمراد به البعث والمصير إلى الله للجزاء والحساب ورؤية وجهه الكريم في الجنة.
أَجَلَ: الوقت المضروب والمحدد لانتهاء الشيء أو وقوع الحدث.
التحليل الإعرابي وأثره البياني:
مَن كَانَ: "من" اسم شرط جازم مبتدأ، "كان" فعل ماضٍ ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر يعود على من.
يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ: مضارع وفاعله ومفعوله ولفظ الجلالة مضاف إليه، والجملة في محل نصب خبر كان.
فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ: الفاء رابطة لجواب الشرط، "إن" حرف توكيد ونصب، "أجل" اسمها، "الله" مضاف إليه، واللام المزحلقة للتوكيد، "آتٍ" خبر إن مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ "من" مجموع جملتي الشرط والجواب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية ومناسبتها:
بلسم رباني مسكوب على قلوب المؤمنين المبتلين؛ فبعد أن ذكر الابتلاء وفرز الصادقين من الكاذبين وتهديد الظالمين، خاطب المشتاقين إلى الله ورضوانه بأن دار الكد والامتحان أمدها قصير، وأن يوم اللقاء والجائزة الكبرى قادم لا محالة، فتهون المشاق وتزول الآلام.
التناسب التركيبي الداخلي:
تأكيد الجواب بـ "إنّ" واللام المزحلقة {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} لترسيخ اليقين بقرب الفرج وسرعة انقضاء عمر الدنيا، وختامها باسميه {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ليطمئن الصابر أن أنينه ودعاءه مسموع عند الله، وجهاده وعناءه معلوم لا يضيع منه مثقال ذرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الرجاء المقترن بالعمل:
ترد الآية على المغترين الذين يدعون "رجاء رحمة الله" وهم مقيمون على المعاصي تاركون للتكاليف؛ فالرجاء في القرآن لا يطلق إلا على المؤمن المجاهد الصابر الذي يقدم البذل ويرجو الثواب، أما الرجاء مع التفريط والكسل فهو "أمنية باطلة وغرور"، بدلالة تعقيبها في الآية التالية مباشرة بقوله: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ}.
التعبير باسم الفاعل {لَآتٍ}: للدلالة على تحقق الوقوع وثبوته وسرعة مجيئه؛ فكل ما هو آتٍ فهو قريب، والمستقبل قريب ولو طال أمده في موازين البشر.
الإيجاز بحذف المترتب على المجيء: والتقدير: فإن أجل الله لآتٍ فليستعد له وليصبر على بلائه؛ ليذهب الذهن إلى كل نعيم وفرح وكرامة تتلقى بها الأرواح المشتاقة.
الظلال التدبرية والإشارية:
الشوق إلى لقاء الله هو أعظم قوة دافعة للصبر على البلاء؛ فإذا ملأ حب الله ورجاء لقائه قلب العبد، هانت عليه سياط الجلادين، وصغر في عينه ملك الأرض، وتطلعت روحه إلى لحظة الخلود بين يدي مولاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المعالم الدعوية والمنهجية:
بث روح الأمل والشوق إلى الجنة في قلوب المستضعفين؛ فالداعية الناجح لا يركز فقط على فقه التكاليف، بل يحيي في النفوس أشواق الآخرة ولقاء الله المحبوب.
الآثار التربوية والوجدانية:
العمل والجد والاستعداد للقاء الله بالتزود من الصالحات قبل مباغتة الأجل.
استشعار مراقبة السميع العليم في كل حركة وسكنة وألم يمر به المؤمن.