روى مسلم في صحيحه (حديث رقم 2159)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٥٩ عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة؟ فأمرني أن أصرف بصري".
وروى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر".
وأخرج الطبري (ج19، ص168)مصدر غير محدد١٩/١٦٨ عن قتادة في قوله: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}: "عما لا يحل لهم، ويحفظوا فروجهم عما لا يحل لهم".
وقال ابن كثير: "هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَغُضُّوا}: الغض في اللغة النقص والخفض والكف، يقال: غض طرفه أي خفضه وكفه عن التحديق.
{مِنْ أَبْصَارِهِمْ}: (مِنْ) هنا للتبعيض؛ لأن للمرء نظراً مباحاً في معايشه ومصالحه ومحارمه، فالمأمور به هو غض بعض البصر عما حرم الله.
الإعراب:
{قُل}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{لِّلْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور متعلق بقل.
{يَغُضُّوا}: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (قل)، أو مجزوم بلام أمر مقدرة (ليغضوا) وجملته مقول القول، وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل.
{مِنْ أَبْصَارِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيغضوا، ومن للتبعيض.
{وَيَحْفَظُوا}: معطوف على يغضوا مجزوم بحذف النون، {فُرُوجَهُمْ}: مفعول به ومضاف إليه.
{ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ}: ذلكم مبتدأ وأزكى خبر ولهم متعلق به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو الركيزة العظمى لحماية الفرج وطهارة المجتمع؛ جاء بعد الاستئذان على البيوت؛ لأن الاستئذان شُرع من أجل البصر، فإن عجز الحجاب الخارجي عن حجب النظر أو كان المرء في الفضاء العام، جاء الأمر بالغض الباطني لحراسة العين من الخيانة.
تقديم غض البصر على حفظ الفرج: إعجاز تشريعي ونفسي خارق؛ لأن النظر بريد الزنا، ورائد الشهوة، والخطوة الأولى نحو الوقوع في الفاحشة؛ فمن حفظ عينه حفظ فرجه، ومن أطلق بصره أورد نفسه المهالك.
التعبير بـ {يَصْنَعُونَ} بدلاً من "يفعلون"؛ لأن الصنع فعل متقن فيه قصد وتدبير ودقة؛ فنظرة العين وحركتها واختلاسها صناعة باطنية يعلم الله أدق خفاياها {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التبعيض في الأبصار {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} والإطلاق في الفروج {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}:
لم يقل: ويحفظوا من فروجهم، بل أطلق؛ لأن حفظ الفرج لا رخصة فيه البتة، فيجب حفظه عن كل أحد إلا عن الزوجة أو ملك اليمين، فالإمساك فيه كلي.
أما البصر فيحتاج المرء إلى النظر في طريقه وعمله وعلاجه وبيع وشهادة ومحارمه، فجاءت (من) التبعيضية لتدل على يسر الشريعة وموافقتها لطبائع البشر وحاجاتهم المعيشية، فتحرم النظر المحرم وتبقي على النظر المباح المأذون فيه.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
جزم الجواب {يَغُضُّوا}: للدلالة على أن الغض نتيجة مباشرة وحتمية لامتثال أمر الرسول والإيمان المستقر في القلب.
الوصف بـ {أَزْكَىٰ}: غض البصر يورث القلب حلاوة وطهارة ونوراً، قال ابن القيم: "حبس البصر يورث القلب نوراً وفراسة، وإطلاق البصر يورثه ظلمة وحسرة وتشتتاً".
الوعيد بالخبرة الإلهية {خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}: الخبير هو العالم بدقائق الأمور وخفاياها؛ فالتفاتة العين وخطفة النظر لا يراها البشر، ولكن الخبير العليم يحيط بها ويحاسب عليها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين البصر في عصر الفتن والمغريات: تدريب النفس على سرعة صرف النظر عند المفاجأة أو التعرض للمشاهد المحرمة عبر الشاشات أو الطرقات.
معالجة أمراض القلب من منابعها: إدراك أن الفاحشة تبدأ بنظرة، والنظرة تولد خطرة، والخطرة فكرة، والفكرة شهوة، والشهوة إرادة، والإرادة تصبح عزيمة جازمة فيقع الفعل؛ فحسم المادة من أولها هو عين العقل والنجاة.
استشعار لذة الانتصار على الهوى: من ترك النظر الحرام ابتغاء وجه الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته وطمأنينته في قلبه.