روى البخاري (حديث رقم 4826)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٢٦ ومسلم (حديث رقم 2246)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٤٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلّب الليل والنهار".
وبيّن الطبري (ج19، ص228)مصدر غير محدد١٩/٢٢٨ أن المعنى: يدخل هذا في هذا، وينقص من هذا ويزيد في هذا، ويعقب بين ظلمة هذا وضياء هذا، وحر أحدهما وبرد الآخر، في تصريف محكم لا يقدر عليه إلا رب العالمين.
وقال ابن كثير: "يتصرف فيهما فيأخذ من هذا في هذا حتى يطول، ويأخذ من هذا في هذا حتى يقصر، ويخلف أحدهما الآخر تعاقباً لا يفتر، إن في ذلك التدبير لدلالة وموعظة لذوي البصائر النافذة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُقَلِّبُ}: التقليب التحويل والتغيير والتصريف من حال إلى حال.
{لَعِبْرَةً}: العبرة اسم من الاعتبار، وهو العبور من الشيء المشاهد إلى المعنى المستدل عليه، والعظة الموقظة للقلب.
{لِّأُولِي الْأَبْصَارِ}: لذوي البصائر والعقول النيرة التي تبصر الحقائق ولا تقف عند ظواهر الرسوم.
الإعراب:
{يُقَلِّبُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{اللَّيْلَ}: مفعول به منصوب، {وَالنَّهَارَ}: معطوف منصوب.
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ}: إن حرف توكيد، وفي ذلك جار ومجرور واسم إشارة متعلق بمحذوف خبر إن مقدم.
{لَعِبْرَةً}: اللام المزحلقة، عبرة اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة.
{لِّأُولِي}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لعبرة، وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وهو مضاف.
{الْأَبْصَارِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف هذا الربط الكوني المحكم! بعد أن تحدث عن إزجاء السحاب وتقلبات المطر والبرد وظهور البرق الخاطف في الفضاء، ارتقى بالسياق إلى القانون الكوني الأكبر وهو تعاقب الليل والنهار الذي يحكم الزمان الأرضي كله.
تناسب ذكر {الْأَبْصَارِ} هنا مع قوله في الآية السابقة {يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ}؛ فالبصر الظاهري الحسي قد يذهب بلمعان البرق، أما البصر الباطني (البصيرة) فيستنير بتقليب الليل والنهار ويعبر منه إلى عظمة الصانع القدير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على الملاحدة والدهريين:
يزعم الماديون أن تعاقب الليل والنهار دوران ميكانيكي أصم ناتج عن حركة الأرض وقوانين الطبيعة العمياء!
الجواب العقلي الراسخ: القوانين الطبيعية ليست فاعلة لذاتها، بل هي أوامر وسنن وضعها مقنن عليم حكيم؛ وإن دقة هذا الدوران وتناسقه المنتظم عبر ملايين السنين دون اضطراب أو توقف، وتكيف الحياة وأجهزة الكائنات الحيوية معه بالمليمتر، لهو البرهان القاطع على وجود إرادة حية ومدبر حكيم قيوم يتصرف في الكون بحكمته ورحمته.