هذه هي آية النور الكبرى التي سميت بها السورة؛ روى الطبري في تفسيره (ج19، ص190)مصدر غير محدد١٩/١٩٠ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قال: "هادي أهل السماوات وأهل الأرض، ومدبر الأمر فيهما".
وفي رواية أبي بن كعب رضي الله عنه التي أخرجها عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، قال: "مثل نوره: مثل نور المؤمن الذي جعل الله في قلبه الإيمان والقرآن، كمشكاة فيها مصباح... فالمؤمن يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة".
وقال ابن كثير (ج6، ص52)مصدر غير محدد٦/٥٢: "قال علي بن أبي طالب وابن عباس: هادي أهل السماوات والأرض... ونور الحجاب المانع من رؤيته نور، وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)".
وروى الطبري عن قتادة وعكرمة في قوله: {لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ}: "هي شجرة في وسط الشجر، تصيبها الشمس طالعة وغاربة، لا يحجبها ظل جبل ولا حائل، فزيتها أصفى الزيت وأنقاه وأضوأه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مِشْكَاةٍ}: الكوة غير النافذة في الحائط، تجعل ليوضع فيها المصباح فتجمع ضوءه وترده فلا يتفرق.
{دُرِّيٌّ}: قرئ بضم الدال مع التشديد بلا همز (دُرِّيٌّ) نسبة إلى الدُّرّ في صفائه وإشراقه، وبهمز الياء والضم (دُرِّيءٌ) من الدَّرء وهو الدفع لدفع ضوئه بعضه بعضاً أو لدفعه الظلمة، وبكسر الدال (دِرِّيءٌ).
{نُورُ}: خبر المبتدأ مرفوع وهو مضاف، {السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور، {وَالْأَرْضِ}: معطوف عليه.
{مَثَلُ نُورِهِ}: مثل مبتدأ ثان مضاف ونوره مضاف إليه والهاء مضاف إليه.
{كَمِشْكَاةٍ}: جار ومجرور خبر المبتدأ الثاني والجملة مستأنفة أو خبر ثان.
{فِيهَا مِصْبَاحٌ}: فيها خبر مقدم ومصباح مبتدأ مؤخر، والجملة في محل جر نعت لمشكاة.
{الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع أو جر بدل أو نعت.
{الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ}: مبتدأ، وكأن واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ.
{نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}: نور خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو نور، أو بدل، وعلى نور جار ومجرور نعت لنور.
{يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ}: فعل مضارع وفاعل ومفعول به وجار ومجرور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع موقع هذه الآية في قلب سورة النور! فبعد أن شرعت السورة قوانين الطهارة والعفاف وغض البصر وستر العورات (وهي وسائل تطهير الأوعية والمحاريب)، كشف الله عن النور الإلهي المطلق الذي يسكن هذه القلوب الطاهرة.
التدرج البديع في الصورة التمثيلية المركبة لجمع الضوء ومضاعفته:
المشكاة (الكوة) تحصر الضوء وتمنع تبدده.
الزجاجة الصافية كالكوكب الدري تحمي اللهب من الريح وتزيد من توهجه وشفافيته.
المادة المغذية (الزيت) بلغت الغاية في النقاء والصفاء من شجرة زيتونة برية توسطت الفضاء فأخذت حظها الأكمل من الشمس شروقاً وغروباً.
فإذا التقت هذه العناصر الأربعة أشرق {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق مذهب أهل السنة في قوله {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
رد شبهة المجسمة والحلولية الذين توهموا أن الله نور حسي مخلوق يماثل الأضواء الفيزيائية!
الجواب المحكم: النور في حق الله تعالى يطلق على معان جليلة:
هو سبحانه النور الذي نوره ذاتي لا يماثله نور المخلوقات، وحجابه النور كما صح في الحديث، واستنارت السماوات والأرض بنور وجهه الكريم.
وهو منور السماوات والأرض وهاديهما؛ فبنوره يهتدي أهل السماوات والأرض، وبنور وحيه تبصر القلوب بعد عماها.
والتمثيل في الآية {مَثَلُ نُورِهِ} ليس تمثيلاً لذات الله تعالى؛ فالله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وإنما هو تمثيل لنوره في قلب العبد المؤمن، أو تمثيل لنور القرآن والوحي في القلوب الحية، كما قرره كبار الصحابة أبي بن كعب وابن عباس وأئمة المحققين كابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ومفتاح دار السعادة.
التشبيه التمثيلي المركب: من أعلى ذرى البلاغة القرآنية المعجزة، حيث شبه تظافر نور الفطرة مع نور الوحي، بنور المصباح المشتعل بأصفى زيت في أصفى زجاجة داخل مشكاة جامعة.
قوله {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}: إشارة إلى تلاقي نورين: نور الفطرة السليمة المستعدة للحق، ونور الوحي الإلهي الصادق، فإذا نزل الوحي على الفطرة اشتعل القلب هداية ويقيناً حتى كاد يبصر الحق قبل مجيء الدليل لعظيم نقائه وسلامة مادته.
قوله {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}: تصوير لكمال صفاء العقل والفطرة قبل ورود الشرع، فإذا مسته نار الوحي والنبوة صار نوراً مضاعفاً لا يقاومه ظلام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
السعي في تحصيل النور القلبي: صيانة زجاجة القلب من خدوش المعاصي ودخان الشهوات؛ لتبقى قابلة لعكس أنوار الوحي والمعرفة بالله.
الجمع بين الفطرة والوحي: إدراك أن الشريعة لم تأت بما يخالف العقل والفطرة، بل جاءت مصدقة لنور العقول ومكملة لضيائه.
الدعاء الدائم بالنور: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه العظيم: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، واجعل لي نوراً، وعظّم لي نوراً".