روى الطبري (ج19، ص225)مصدر غير محدد١٩/٢٢٥ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يُزْجِي سَحَابًا}: "يسوقه بلطف ورفق إلى حيث يشاء"، {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ}: "يجمع بين قطعه المتفرقة حتى يلتحم"، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا}: "يركب بعضه فوق بعض حتى يتكاثف"، {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ}: "الودق هو المطر والقطر، يخرج من بين خلال السحاب ومداخله".
وروى عن ابن عباس والضحاك وقتادة في قوله: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} قالوا: "خلق الله في السماء جبالاً من بَرَد، فينزل منها ما يشاء"، وقيل: أراد تشبيه السحاب المتراكم العظيم في عظمته وارتفاعه بالجبال الشاهقة المليئة بالبَرَد.
وقال ابن كثير: "يُزجي سحاباً أي يسوقه بقدرته أول ما ينشئه وهو ضعيف، ثم يؤلف بينه أي يجمعه بعد تفرقه، ثم يجعله ركاماً أي متراكباً كثيفاً، فترى المطر يخرج من فتوجه ومداخله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَتَرَى الْوَدْقَ}: الفاء سببية أو عاطفة، وترى مضارع وفاعله مستتر والودق مفعول به.
{يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ}: جملة حالية من الودق أو مفعول ثان إن كانت الرؤية قلبية.
{وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ}: ينزل معطوف، ومن السماء لابتداء الغاية، ومن جبال بدل اشتمال أو لابتداء غاية ثانية، وفيها نعت لجبال، ومن بَرَد بيانية في محل نصب مفعول به لينزل أو نعت.
{فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ}: الفاء عاطفة ويصيب مضارع وبه متعلق به ومن مفعول به ويشاء صلته.
{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ}: يكاد مضارع ناقص، سنا اسمه مرفوع بضمة مقدرة وهو مضاف وبرقه مضاف إليه والهاء مضاف إليه.
{يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ}: يذهب مضارع وفاعله مستتر وبالأبصار متعلق بيذهب أو مفعول به بتضمين يذهب معنى يذهب، وجملة يذهب خبر يكاد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تواصل السورة عرض آيات النور الكونية؛ فبعد أن بيّن الله نوره في القلوب، ثم نوره في المساجد، ثم ظلمات الكفر في البحر المتلاطم، جاء هنا ليعرض آية تشكل المطر ونور البرق اللامع كأنه قبس من نور الله المسخر لرحمته وعقابه.
نزول الودق (المطر) وتكون البرد والصواعق ونور البرق الخاطف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي في فيزياء السحب الركامية والبرد:
أثبتت أبحاث الأرصاد الجوية الرادارية والأقمار الصناعية أن السحب التي تنتج البرد والبرق هي حصراً سحب الركام المزني الشاهقة ، والتي ترتفع عمودياً في الغلاف الجوي لعشرات الكيلومترات حتى تبدو لركاب الطائرات ورواد الفضاء كأنها جبال شاهقة من بياض الثلج والبرد.
وقد قرر علماء الفيزياء أن البرد لا يتكون إلا داخل هذه السحب الجبلية الشاهقة بسبب شدة التيارات الصاعدة وبرودة القمم، وأن احتكاك حبات البرد مع بلورات الثلج يولد الشحنات الكهربائية التي ينشأ منها البرق اللامع؛ فكان التعبير القرآني {مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ... يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} قمة في المطابقة العلمية المعجزة التي لا يملك العقل البشري إلا التسليم بإلهيتها.