روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص229)مصدر غير محدد١٩/٢٢٩ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ} قالوا: "الماء أصل كل حيوان ومادته الأولى"، وقيل: هو النطفة، وقيل: هو الماء الذي خلق منه الخلق جميعاً كما في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}.
وفصّل قتادة أصناف الدواب فقال: "فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات والحيتان والدود، ومنهم من يمشي على رجلين كالإنسان والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالنَّعَم والدواب وسائر البهائم".
وبيّن ابن كثير أن الله أظهر كمال قدرته في تنوع أصناف المخلوقات مع اتحاد مادتها وعنصرها الأساسي وهو الماء؛ فهذا يزحف، وهذا يمشي منتصباً، وهذا يدب على أربع، وغيرها يمشي على أكثر من ذلك كالعناكب والحشرات، فسبحان الخالق القدير الذي يخلق ما يشاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{دَابَّةٍ}: كل ما يدب على وجه الأرض من حيوان وإنسان وحشرات، والتاء للوحدة أو لاسم الجنس.
استخدام {مَنْ} لغير العاقل: في قوله {فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي}: للتغليب لاختلاط العقلاء من بني آدم بسائر الحيوانات في هذا التقسيم، أو لمعاملة الدواب معاملة العقلاء في المشي والحركة.
الإعراب:
{وَاللَّهُ}: الواو استئنافية، الله مبتدأ أو فاعل لفعل محذوف، وقرئ في السبعة (خَلَقَ) فعلاً ماضياً والجملة خبر المبتدأ.
{كُلَّ دَابَّةٍ}: كل مفعول به لخلق وهو مضاف ودابة مضاف إليه.
{مِّن مَّاءٍ}: جار ومجرور متعلق بخلق، وهو لابتداء الغاية والمادة.
{فَمِنْهُم}: الفاء عاطفة تفصيلية، منهم جار ومجرور خبر مقدم.
{مَّن}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
{يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ}: جملة فعلية صلة الموصول لا محل لها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التسلسل الكوني في سورة النور!
آية (41): تسبيح أهل السماوات والأرض والطيور.
آية (43): تكوين السحاب والودق والبرد والبرق من السماء.
آية (44): تقليب الليل والنهار وتصريف الزمان.
آية (45): تتويج ذلك كله بنشأة الحياة العضوية على الأرض وتنوع الدواب من أصل مائي واحد.
التدرج في ذكر طرق المشي: بدأ بالأعجب والأبلغ في الدلالة على القدرة وهو الماشي على بطنه بغير قوائم (كالزواحف)، ثم ثنّى بالإنسان الماشي منتصباً على رجلين، ثم ثلّث بالحيوانات الماشية على أربع وهو الأكثر، وترك ما زاد على أربع لدخوله في عموم المشيئة {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز البيولوجي في وحدة الأصل المائي وتنوع المخلوقات:
أثبتت علوم الأحياء والخلية الحديثة أن البروتوبلازم والسيتوبلازم - وهو المادة الحية الأساسية في خلايا جميع الكائنات الحية بلا استثناء - يتكون بنسبة تزيد على 70% إلى 85% من الماء!
الدلالة العقلية القاهرة على التوحيد: لو كان الكون وليد الصدفة العمياء كما يزعم الماديون لتشابهت المخلوقات الناتجة عن مادة واحدة، أما أن تنشأ من هذا الماء الواحد كائنات تزحف، وكائنات تطير، وإنسان مفكر منتصب القامة، ووحوش تمشي على أربع، مع تباين أشكالها ووظائفها وجيناتها؛ فذلك برهان عقلي قاطع على أن وراءها إلهاً واحداً حكيماً قديراً يخلق ما يشاء بمشيئته وقدرته.
تسمية حركة الزواحف مشياً: {يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ}، استعارة للمقاربة؛ لأن الزحف انتقال مكاني مقصود يحقق غاية المشي، وهو تمثيل بديع يعبر عن سلاسة الحركة وانسيابها.
استخدام {مَنْ} العاقلة: لتكريم الكائن الحي وإبراز أن هذه المخلوقات تسعى بنظام وتدبير كأنها تعقل غاياتها.
ختام الآية بالقدرة {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: لردع المكذبين بالبعث؛ فالذي أنشأ هذه الكائنات الحية المتنوعة من قطرة ماء قادر على إعادة بعث الأجساد وتجميع رفاتها بيسر تام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):